الحسين في فيديو كليب.. أين تقف الحدود..؟

معصومة المقرقش
تثير بعض المشاهد الجديدة أسئلة تتجاوز أصحابها ومكان إنتاجها، لتلامس قلقاً أكبر يتعلق بمستقبل الصورة التي نرتضيها ونتمناها للشعائر الحسينية.
خلال الأيام الماضية، تداولت منصات التواصل مقطعاً مصوراً لقارئة أناشيد حسينية ظهرت أمام الكاميرا ضمن معالجة بصرية قريبة من أسلوب “الفيديو كليب”. وبعيداً عن خصوصية التجربة العراقية وظروفها الثقافية والاجتماعية، استيقظت لدى كثيرين تساؤلات تتصل بما يمكن أن تؤول إليه مثل هذه الخطوات في السنوات المقبلة.
فالتجارب الاجتماعية غالباً ما تبدأ بمشهد عابر ومحدود، ثم تنمو مع الوقت لتتحول إلى ممارسة متكررة، قبل أن تستقر كجزء من المشهد العام. وهنا تبرز أهمية التأمل الهادئ في هذه الاتجاهات قبل أن تترسخ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشعائر المرتبطة بأهل البيت عليهم السلام.
لقد احتفظت المجالس الحسينية بمكانتها الرفيعة والمقدسة عبر قرون طويلة لأنها نجحت في الجمع بين حرارة العاطفة وسمو المقام. وكان الوقار جزءاً أصيلاً ونبيلًا من هذا الحضور؛ وقارٌ يكلل المنبر، ووقارٌ ينساب في الأداء، ووقارٌ في الصورة التي استقرت عميقاً في الوجدان الجمعي.
وفي مجتمعاتنا المحلية، قدمت الخطيبات والقارئات نموذجاً لافتاً ومشرقاً في هذا الجانب. فارتبطت خدمتهن الشفيفة للشعائر بدرجة عالية من الاحترام والتورع وحسن تقدير المقام، وهو ما أسهم في صون صورة اجتماعية وإنسانية تحظى بالتقدير والقبول.
ومع التطور المتسارع في أدوات النشر والإنتاج المرئي، يبرز تحدٍّ جديد يتمثل في كيفية الاستفادة من الوسائل الحديثة مع المحافظة على الخصوصية المعنوية والنقاء الروحي للشعائر. فكل مساحة دينية تحمل معها روحاً وقيمًا تمنحها تميزها، وتمنح حضورها أثره العميق في النفوس.
ولأن الشعائر الحسينية تمثل مساحة وجدانية استثنائية وعاطفة حية لدى جمهورها، فإن العناية بصورة هذه الشعائر تظل جزءاً من العناية بمضمونها وجوهرها. فالمقام الذي ارتبط بالإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته يحمل من الرمزية والقداسة ما يدعو دائماً إلى اختيار أكثر الأساليب تعبيراً عن الجلال، وأقربها إلى روح المناسبة الشريفة.
ويبقى السؤال مفتوحاً، كأمانة أمام الأجيال الجديدة:
كيف يمكن توظيف الوسائط الحديثة في خدمة الشعائر، مع المحافظة على ذلك الرصيد الكبير من الهيبة والوقار الذي منح المجالس الحسينية مكانتها الدافئة في القلوب عبر مئات السنين؟



