المصادرة والتحييد: فضل الله أُنْمُوذجاً

منتظر الشيخ
أحياناً أتساءل: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ ولا شك أن الكُتّاب حين يسطرون أفكارهم، لا يعتقدون بأي صورة من الصور أنهم يعرضون يقيناً تاماً أو حقيقة مطلقة؛ فالأفكار التي ندافع عنها اليوم قد نعيد النظر فيها غداً بناءً على معطيات جديدة، لذا لا أجد في نفسي ما يستدعي التعصب لأي فكرة أو الركون لجمودها.
وقد أسعدني في الحقيقة مقال الأستاذ مؤيد البراهيم، والذي جاء رداً على مقالي (الخطاب العاشورائي بين التقليد والتجديد)، وهو جزء من سلسلة مقالات عاشورائية نشرتُها قبل عام. ولقد فاجأني مقال الأستاذ البراهيم بتوقيته، في وقت كنت أنشغل فيه بإعداد مقالات جديدة نويت إرجاء نشرها إلى ما بعد أيام العشرة الأولى من محرم؛ وذلك لكي لا يُساء فهم التوقيت ويُقال إن مثل هذه الأطروحات النقديّة تحاول تشتيت الناس عن الحضور والمشاركة في المجالس الحسينية. وهذا قطعاً غير صحيح، فأنا ممن يحرصون على حضور هذه المجالس وتوقيرها، وكل ما أدعو إليه هو غربلتها، وتطوير خطابها، والارتقاء بأثرها السلوكي.
إن كثيراً مما أثاره الكاتب الكريم في رده كنت قد فصّلته وأوضحته في المقالات اللاحقة لتلك المقالة المنشورة. ومع ذلك، فقد تفاجأت بخروج الكاتب عن السياق الموضوعي عند مناقشة الشاهد الذي ضربتُه بمرجعية السيد محمد حسين فضل الله (رحمه الله). فقد أوردتُ هذا النموذج كدليل ملموس على أن دعوات الإصلاح في المنظومة الشعائرية أو القراءات التاريخية تجابه من قِبل “اليمين التقليدي المتشدد” بآليات الإقصاء والإلغاء؛ وهو أمر تظهره بوضوح شواهد التاريخ القريب والبعيد في حالة السيد فضل الله، ومن بعده السيد كمال الحيدري، وقبلهما الشيخ المنتظري، وغيرهم الكثير من المفكرين.
لقد واجهت الحركة التجديدية للسيد فضل الله حراكاً إقصائياً هائلاً، ومحاولات تحييد واسعة لفكره وفتاواه، هي أبعد ما تكون عن “التدافع المعرفي” حسب وصفه؛ بل كان الحراك في حقيقته حرباً شعواء شملت التضليل، والقطيعة، والمنع، وهي ممارسات تجافي أخلاقيات البحث العلمي والتدافع المعرفي النزيه، ووصلت في كثير من الأحيان إلى حد الطعن في أهليته الفكرية والدينية. وأنا أعلم جيداً أن التيار التقليدي لا يرى في ممارساته تلك إقصاءً أو مصادرة؛ لأن هذه المفاهيم النقديّة غائبة عن أدبياته وسياقه الفكري، بل يرى تلك الأفعال بمثابة “دفاع مقدس” لحماية الشعائر وصون مظلومية أهل البيت (عليهم السلام).
وهنا يتضح التهافت في اتهام مقالي بالتناقض؛ فالنقد لم يستهدف “العاطفة” بصفتها قيمة روحية، وإنما استهدف تسييدها كأداة وحيدة لتغييب الوعي. إن تحييد المراجع والمفكرين المجددين كالسيد فضل الله هو الذي أخلى الساحة تاريخياً، وسمح للخطاب التقليدي بأن ينفرد بالجمهور دون رقيب معرفي، مما أدى بالضرورة إلى هذا الفصام النكِد بين ضجيج العواطف في المجالس وغياب أثرها الأخلاقي والسلوكي في واقع المجتمع.
ومن الطريف والمفارِق هنا، أن نجد هذا النقد البنّاء يتردد بصداه في أعلى أروقة المرجعية الدينية المعاصرة؛ إذ يعيدنا هذا إلى تلك المشاهد الموثقة والعلنية للمرجع الراحل الشيخ إسحاق الفياض، وهو يجلس وسط جموع من المتشددين الذين يحاولون بجهل حاشد، وكثرة مقاطعة، وإلحاح فج، أن يجروا المرجعية نحو “مستنقع مزاجهم الإقصائي” لانتزاع صكوك التكفير والسباب ومباهتة الآخرين. يواجههم المرجع بالدليل والإنصاف والرفض و يجيب “لعله معذور”، بينما يستميتون هم في فرض وصايتهم.
هذا المشهد يتقاطع تماماً مع ما لمسناه في موقف سماحة السيد منير الخباز في العام الماضي حين سُئل عن ظاهرة “زفة القاسم”؛ ليتبين لنا بدقة كيف يجد دعاة الإصلاح أنفسهم أحياناً في حالة اضطرار ومدافعة أمام سلوك الجمهور، وأمام عصابات الملالي والأصوات التي تحاول السيطرة على عقول العوام من خلال تحريك العاطفة المحضة واستنزاف الدمعة، بمعزل عن أي وعي معرفي أو سلوكي.
إن الهدف من فتح هذه الملفات النقديّة ليس الانتقاص من أهمية العاطفة أو التقليل من زخم المنبر، بل هو تفعيل للمسؤولية المشتركة في حفظ جوهر النهضة الحسينية. إن حصر القضية في بواكي الدمع وإغفال روافد الوعي المعرفي والسلوكي هو الجناية الحقيقية على التراث. وختاماً، أتوجه بالشكر الجزيل للأستاذ مؤيد البراهيم على تفاعله ومقاله؛ فمثل هذا التدافع الفكري -وإن اختلفنا في منطلقاته أو قراءاته التاريخية- يبقى حراكاً صحياً وضمانة متجددة لكي لا يتحول فكرنا إلى قوالب جامدة لا تقبل المراجعة والتطوير.
اقرأ المقال السابق



