طوعة.. امرأة وقف التاريخ ببابها

حليمة بن درويش
في تلك الليلة التي تخلى فيها الجميع عن مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين عليه السلام، لم تكن الكوفة تعاني نقصًا في الرجال لكنها كانت تشهد نقصا حقيقيا في المواقف بخذلان أهل الكوفة له وتفرقهم عنه، ليبقي وحيدا في الأزقة مثقلا وقد أُغلقت الأبواب في وجهه.
إلا أنه وجد عند باب طوعة ما لم يجده عند كثيرين ممن بايعوه وأعلنوا ولاءهم له قبل أن يبيعوه بثمن بخس، وإذا بـ “بطوعة” ـ المرأة التي لم يكن لديها سلطة أو نفوذ ـ تبدو امرأة عادية في ظاهرها لكنها تمتلك بصيرة.
هذه البصيرة جعلتها ترى الإنسان المسلم، ثم السفير مسلماً، ثم النظر لواجبها وتكليفها قبل أي مصلحة والنظر للحق الثابتة عليه قبل أي تفكير آخر .
إنها المرأة التي فتحت بابها لرجل وحيد وغريب وهي تعلم أن في ذلك مخاطرة قد تكلّفها الكثير لكنها اختارت أن تنصت لصوت ضميرها لا لصوت التردد والتخاذل مهما كلفها الأمر.
فهل تُصنع قيمة الإنسان بما يملكه من قوة، أم بما يختاره من مواقف؟
كيف كانت ممتلئة تلك الأزقة والطرقات بالوحشة، ثقيلة الأنفاس رغم هيبة حضور صاحبها لكنها الوحدة والغربة تفتش في زوايا اليقين عن الثابتين، وإذا به يقف أمام دارها!
حكاية رجل شجاع خذلته مدينة بأكملها وامرأة في يدها تحمل قلب ثابت!
أسماء كثيرة مرت في صفحات التاريخ ولكن من بقي محفورا فيها؟ وبأي ذاكرة؟ كحكاية امرأة اسمها طوعة!
طوعة المرأة الاستثنائية ببطولة ملهمة لم تكن أنموذجا عاديا أبدا، إنها المرأة التي فتحت بابها لمسلم بن عقيل في ليلة أُغلقت فيها أبواب الكوفة كلها، تلمسُبيقينها عتبات الطمأنينة بثقة أأنت مسلم؟
وأجدني أمام طوعة غارقة في محبتي بشعور الفخر الذي يتضاعف كلما سمعتُ أو قرأتُ عنها فهي ليست مجرد شخصية تاريخية، أراها فكرة متجددة وثبات واضح واتزان عظيم بمسؤولية جادة ووعي ناضج اختبرته المواقف.
وبسؤال أكبر أتأمله معكم هنا: ما الذي يجعل إنسانا واحدا يقف في صف الحقيقة عندما ينسحب الجميع؟ وأي شجاعة تملكها هذه المرأة لتكون بحجم هكذا تحمل للمسؤولية ونتائجها؟
طوعة لم تنتظر أن يمنحها أحد تلك القوة كانت مُمكّنة بضميرها، قوية بإيمانها وثابتة بقيمها، ولعل أعظم ما فعلته طوعة أنها لم تسأل نفسها ماذا سأربح من هذا الموقف؟ وكان السؤال أعمق: ماذا يقتضي مني الموقف؟
أُحب أمي وكل النساء اللاتي ما زلن يُشبهن طوعة ، النساء اللاتي يزرعن الطمأنينة في أوقات الخوف، ويصنعن الأمل في أزمنة القسوة، ويفتحن أبواب الرحمة بلا تفكير في المردود، طوعة المرأة الاستثنائية في زمنها خالدة في قلبي وفي ذاكرة الرجال والنساء كأنموذج لا يُنسى في ذاكرة الإنسانية.



