حتى لا تكون فتنة شيعية ـ شيعية في كربلاء

حبيب محمود
في نوفمبر من العام الماضي، زرت العراق، ورأيت بعيني حشداً كبيراً من زوار البهرة في حرم الإمام علي، عليه السلام، في النجف.
كانوا يؤدون زيارتهم في هدوء، وسط احترام واضح من المحيطين بهم، وهذا هو الطبيعي لكل من يقصد العتبات زائراً ومحباً ومؤدياً.
ذلك المشهد بقي في الذاكرة بوصفه صورةً مطمئنة لمعنى المكان المحاط بمثل هذا المستوى العالي من الاحترام؛ مكان يتسع للزائرين على اختلاف طرقهم ولهجاتهم وملابسهم وتفاصيل معتقداتهم.
لذلك بدا ما جرى ـ هذه الأيام ـ في كربلاء خروجاً مؤسفاً على هذه الصورة، وإساءةً إلى معنى الزيارة قبل أن يكون إساءة إلى جماعة بعينها.
ما حدث بين بعض الزوار الإيرانيين وزوار البهرة يطرح سؤالاً قاسياً: إذا ضاق صدر بعض أبناء الدائرة الشيعية باختلاف يقع داخلها، فكيف يصدّق الآخرون خطابات قبول الاختلاف مع طوائف ومذاهب تقع خارج هذه الدائرة؟
الاختلاف مع البهرة معروف، وله جذوره العقدية والتاريخية. لكن الخلاف في الإمامة أو التأويل أو الممارسة الشعائرية يبقى شأناً فكرياً وفقهياً، مكانه البحث والحوار، لا السخرية ولا التحريض ولا الاعتداء. كربلاء أكبر من أن تتحول إلى ساحة امتحان مذهبي للزائرين.
المفارقة أن كثيراً من الخطابات الدينية المعاصرة تتحدث عن التعايش والتسامح والحوار، ثم تتعثر عند أول اختبار عملي.
قبول المختلف يبدأ من الأقرب، من الشريك في الدائرة الأوسع، من الزائر الذي يدخل الحرم باحترام، حتى لو اختلفت معه في الاعتقاد والتاريخ والتفاصيل.
هذه الحادثة تكشف خطراً أعمق من مشادة عابرة؛ تكشف عقلية ترى الهوية أداة فرز، وتحول الانتماء إلى رخصة لإقصاء الآخر. وحين يحدث ذلك في مدينة مثل كربلاء، فإن الخلل يصبح مضاعفاً؛ لأن مكانة المكان تستدعي أخلاقاً أعلى، لا انفعالاً أدنى.
الزائر يستحق الأمان والكرامة. ومن يذهب إلى الحسين أو علي أو العباس، عليهم السلام، قاصداً الزيارة، يجب أن يجد احتراماً يليق بالمكان وبأهله وبالذاكرة الدينية التي تحمله.
الدفاع عن حق البهرة في الزيارة بكرامة موقف أخلاقي قبل أن يكون موقفاً مذهبياً. والاعتراض على الإساءة إليهم دفاع عن حرمة المكان، وعن معنى التديّن، وعن فكرة أن الاختلاف داخل البيت الواحد يجب أن يعلّمنا سعة الصدر، لا أن يكشف ضيقه.
كربلاء والنجف وسائر العتبات ليست ساحات فرز مذهبي، بل مقاصد روحية كبرى. ومن أراد أن يخدم قداستها حقاً، فليحفظ كرامة زائريها، وليترك للخلاف مجاله العلمي، وللزيارة حرمتها، وللناس حقهم في أن يقفوا أمام مراقد يحبونها من غير خوف ولا إهانة.

جماعة من البهرة في حرم الإمام علي شاهدتهم في نوفمبر 2025



