قراءة في كتاب “العقل القرآني عند الامام علي”


نزار المصطفى
العقلُ القرآني ليس عقلاً يحفظ النصوص فحسب، بل هو عقلٌ يعيد بناء الإنسان، ويقيم علاقته بالله، وبالكون، وبالحياة، وفق ميزان الوحي ومقاصده الكبرى. ومن هنا تبرز أهمية كتاب «العقل القرآني عند الإمام علي عليه السلام» لسماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى، بوصفه عملاً فكرياً رصيناً يسعى إلى اكتشاف المنهج الذي صاغ القرآن به عقل الإمام علي، ذلك العقل الذي أصبح الامتداد الطبيعي لعقل الرسالة، والنموذج الأسمى في فهم كتاب الله، واستنباط هداياته، وتحويلها إلى مشروع حياة.
ليست عظمة هذا الكتاب في كثرة موضوعاته، على أهميتها، وإنما في الخيط الناظم الذي يجمعها جميعاً، وهو أن القرآن الكريم ليس كتاباً يُقرأ بالألسن وحدها، وإنما هو كتابٌ يُبنى به العقل، وتُهذّب به النفس، وتُقام به الحضارة. فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يحفظ آياته ثم يغيب عن مقاصدها، بل يريد أن يصنع منه إنساناً يرى الأشياء كما أرادها الله، ويزنها بميزان الحق، لا بميزان الهوى.
وهذا هو العقل القرآني الذي تجسد بأكمل صوره في شخصية الإمام علي عليه السلام؛ عقلٌ يربط كل شيء بحقيقته الكبرى، فلا يرى للحكم شرعية إلا إذا كان لله، ولا يرى للتزكية معنى إلا في إطار الإيمان، ولا يؤمن بعمران الأرض إلا إذا تأسس على التقوى، لأن القيم في المنظور القرآني ليست جزرًا متفرقة، وإنما منظومة متكاملة، يفسد بعضها إذا انفصل عن بعض.
ومن هذا المنطلق يأخذ المؤلف قارئه في رحلة علمية تبدأ بالحث على الاهتمام بالقرآن، ثم تنتقل إلى بيان العلاقة الفريدة بين الإمام علي والقرآن الكريم، تلك العلاقة التي لم تكن علاقة حافظ بمحفوظ، ولا مفسر بنص، وإنما علاقة امتزاج بين الوحي والعقل، حتى غدا الإمام الناطق بالحكمة القرآنية، والمجسد لقيمها في الفكر والسلوك والموقف.
ثم يتدرج الكتاب إلى رسم الخطوط العريضة للتفسير عند الإمام علي عليه السلام، فيبين أن التفسير ليس اجتهاداً منفلتاً، ولا رأياً يخضع للأذواق والميول، وإنما هو علم تحكمه ضوابط، وتقوم عليه معايير، ولذلك يقف عند قضية التفسير بالرأي، موضحاً الفرق بين التدبر المشروع الذي يفتح آفاق الفهم، وبين الرأي المجرد الذي يفرض نفسه على النص فيحرفه عن مقاصده.
كما يعالج المؤلف واحدة من أكثر القضايا الفكرية أهمية، وهي العلاقة بين ثبات النص القرآني وتجدد فهمه، فيؤكد أن النص ثابت في ألفاظه وهداياته الكبرى، أما الفهم فإنه يتجدد في ضوء المعايير التي أرساها القرآن نفسه، فلا جمود يعطل حركة الحياة، ولا انفلات يبدد ثوابت الدين. وهنا تتجلى مدرسة الإمام علي التي تجمع بين أصالة الوحي وحيوية العقل، وبين قدسية النص وفاعلية الاجتهاد.
ولا يقف الكتاب عند هذا الحد، بل يناقش بأسلوب علمي رصين قضايا ظاهر القرآن وباطنه، وتيسير فهم القرآن، وحدود التدبر، ومتشابهات القرآن، وأمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكيفية دراسة النص القرآني وفق معايير ثابتة تمنع الانحراف في الفهم، وتفتح في الوقت نفسه أبواب التأمل والتفكر، ليبقى القرآن كتاباً حياً يخاطب الإنسان في كل عصر.
ومن أجمل ما يميز هذا الكتاب أنه يعيد الاعتبار إلى العلاقة الوثيقة بين القرآن والعترة الطاهرة، فالعترة ليست مصدراً موازياً للقرآن، وإنما هي الحاملة لمنهجه، والعارفة بأسراره، والواعية لمقاصده، ولذلك جاء اقترانهما في حديث الثقلين اقتران هداية، لأن القرآن هو النص الإلهي، والعترة هي الوعي الذي عاش هذا النص، وحوّله إلى واقع نابض بالحكمة والعدل.
وحين يستعرض المؤلف اقتباسات الإمام علي من القرآن الكريم، وتفسيره لآيات الكتاب، يشعر القارئ أنه أمام عقلٍ لا يقرأ القرآن من خارجه، بل يتحرك من داخله، ويستنطق آياته بروحها، لا بمجرد ألفاظها، ولذلك جاءت كلمات الإمام علي امتداداً طبيعياً للنور القرآني، حتى بدت وكأنها إشعاعات لذلك النبع الإلهي المتدفق.
إن الأمة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الجدل حول القرآن، بقدر حاجتها إلى استعادة العقل الذي يصنعه القرآن؛ العقل الذي يوازن بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والعمران، وبين القوة والرحمة، وبين الحرية والمسؤولية، وهو العقل الذي قدّم الإمام علي عليه السلام أنصع صورة له في تاريخه، قولاً وعملاً وسيرة.
إن كتاب «العقل القرآني عند الإمام علي عليه السلام» ليس مجرد دراسة في علوم القرآن، ولا بحث في مناهج التفسير، بل هو دعوة صادقة إلى إعادة بناء العقل المسلم على هدي القرآن كما فهمه الإمام علي عليه السلام، ذلك الفهم الذي يجمع بين نور الوحي وعمق البصيرة، وبين سلامة المنهج وسمو المقصد، ليبقى القرآن كتاب الهداية الخالدة، ويبقى الإمام علي النموذج الأكمل للعقل الذي صاغه القرآن، وصاغ به التاريخ، وصاغ به الإنسان.



