أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وطنٌ تضمه الأمهات

محرر صُبرةالثلاثاء 30 يونيو 2026، 9:00 ص
وطنٌ تضمه الأمهات

معصومة المقرقش

في غمرات المحن وفواجع الفقد، تذوب الهوامش الصغيرة لتتجلى تفاصيل إنساننا الواحد؛ فالوجع لا يتجزأ، والألم حين يقع يتقاسمه الجميع بهدوء ووقار.

هكذا هي الأيام في أرضنا؛ تصهرنا الرزايا في بوتقة شجن مشترك، فيشيع التراب أبناءه بقلبٍ أموميّ جامع، ويغدو سرادق العزاء واحداً يمتد من بيت إلى بيت.

لقد استيقظت القلوب على نبأ فاجع هزّ النفوس مع غياب شمس يوم الأحد، إثر سقوط طائرة مروحية تابعة لشركة أرامكو برأس تنورة.

مصابٌ مباغت خطف أرواح أربعة عشر شاباً في عمر الزهور، ارتقوا شهداء واجب وهم يؤدون أمانتهم الوطنية.

وفي ذلك الأفق البعيد، التقت أرواح ثلاثة من أبناء القطيف بإخوانهم من بقية أرجاء الوطن، ليمتزج العطاء والدم في لحظة واحدة، تاركين خلفهم غصة عميقة في صدر كل أم، وزوجة، وأخت.

وفي هذه الساعات العصيبة، تنثني الأقلام عجزاً أمام رهبة هذا الفراق، وقصور حبرنا عن رثاء فتيان تضج عروقهم بالحياة، ولا عزاء للنفوس إلا الرضا والسلوان بجميل اختيار الله؛ فالشهداء يتجاوزون حدود الغياب نحو الخلود، واليوم اتحدت دماء هؤلاء الشباب لله ثم للوطن في سيرة وفاء لا يطويها النسيان.

هنا، في بيوت العزاء، تتلاشى المسافات وتتقارب القلوب؛ لتنثال مشاعر المواساة العفوية بين الأمهات. تشعر كل أم بمرارة هذه الحرقة، وتشارك الأمهات الثكلى لوعتهن في فجيعة الفاقدات، يُصبرنهنَّ ويعزّينهنَّ بعزاء الشهداء الأبرار. إنه الشجن الإنساني العذب والعميق الذي يبرهن في كل اختبار أن أمهاتنا جُبلن على قلب واحد، يتقاسمن الصبر كما يتقاسمن الوجع.

إنَّ هذا المصاب الجلل، وإن أدمى المآقي، فإنه يجمع اليوم تحت سقف الحزن الواحد عائلات الوطن؛ في تعانق وجداني صادق يعكس أسمى صور اللحمة الإنسانية، حيث يغدو وجع الأمهات حصناً دافئاً للوحدة، وعهدًا بأن تظل هذه الأرض منيعة شامخة، يشدُّ بعضها بعضاً في أشدِّ المحن والرزايا.