أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

زينب كريكيش.. التشكيل ضدّ الألم

محمد السيدالأربعاء 29 يوليو 2026، 6:00 م
زينب كريكيش.. التشكيل ضدّ الألم

القطيف: زينب آل محسن

في مكتبة مدرسة بأمريكا، كانت زينب كريكيش طفلة العشر سنوات تبحث بين رفوف الكتب عمّا يجذب عينيها، لم تكن تختار الكتب من أجل القراءة وحدها؛ كانت تميل إلى تلك التي تحمل بين صفحاتها رسومات، تستعيرها، تتأملها، ثم تحاول إعادة رسم ما تراه.

هناك، بعيدًا عن منزلها، وفي السنوات الأولى من رحلة علاج طويلة فرضها عليها حريق القديح، بدأت علاقتها بالرسم، واكتشفت موهبة كبرت معها عامًا بعد آخر.

خيمة مشتعلة

لم تكن تعرف أن الهواية الصغيرة التي وجدتها بين كتب المدرسة ستصبح لاحقًا عالمًا خاصًا بها، وأن الألوان التي أمسكت بها طفلة في رحلة العلاج سترافقها وهي تشق طريقها بعيدًا عن غرف العمليات والمستشفيات ونظرات الآخرين.

لكن قبل تلك المكتبة، كانت هناك خيمة مشتعلة.

كانت زينب لا تزال في المرحلة الابتدائية عندما حضرت حفل زفاف ابنة عمة والدتها. وما بقي في ذاكرتها من تلك الليلة ليس كاملًا؛ فالغيبوبة حجبت عنها أجزاءً من المشهد، لكنها تتذكر اشتعال النيران، والصراخ، ومحاولات الجميع الركض إلى خارج الخيمة.

كانت طفلة وسط اللهب.

تقول “صار الجميع يصرخ ويركض للخروج من الخيمة، وأنا طفلة لم أستطع إنقاذ نفسي من لهيب النيران”.

لا تتذكر زينب كيف أُخرجت من الخيمة، ولا تفاصيل ما جرى بعد نقلها إلى المستشفى. تتوقف ذاكرتها عند تلك اللحظات، ثم تعود من جديد وهي تفتح عينيها في العناية المركزة، محاطة بالأجهزة، بعد فترة قضتها في غيبوبة.

خرجت زينب من الحريق بإصابات متفرقة في أنحاء جسدها، أثرت في حركة بعض أجزائه بصورة طبيعية، لتبدأ معها رحلة علاج امتدت سنوات طويلة، تنقلت خلالها برفقة والديها للعلاج داخل المملكة وخارجها.

وخضعت، بحسب وصفها، إلى عمليات “لا تُعد ولا تُحصى”، من بينها إجراءات لمعالجة الشد في أجزاء من جسدها، فيما لا تزال بعض آثار الإصابة ترافقها حتى اليوم. وكان آخر إجراء طبي خضعت له خارج المملكة قبل نحو 11 عامًا.

ما هو أصعب من الألم

لم تكن العمليات وحدها هي الجزء الأصعب في رحلة زينب.

تقول إن الإصابة تركت آلامًا جسدية عميقة، وحرمتها من ممارسة طفولتها بصورة طبيعية مثل بقية الأطفال، لكن مواجهة الناس وما كانت تسمعه منهم وضعتها أمام نوع آخر من الألم.

وتقول “أصعب مرحلة كان وجودي بين الناس حيث يكثر الكلام الذي قد يثير الجروح، ثم العمليات التي لم تنجح لسنوات طويلة”.

في إحدى فترات النقاهة، وبعد مرحلة من العلاج خارج المملكة، عادت زينب إلى مجتمعها وهي تحمل آثار تجربة أكبر من عمرها.

في البداية، لم تكن تتقبل الجلوس أو الحديث مع الآخرين، متأثرة بما كانت تسمعه من كلمات وما تواجهه من نظرات.

وتقول «بعض الناس للأسف ينظرون إلى الشخص المريض على أنه شخص عاجز، ولا يحق له أن يعيش بشكل طبيعي».

لكن أسرتها لم تسمح لهذه النظرة بأن ترسم حدود حياتها.

تنسب زينب إلى أهلها، بعد الله، الدور الأكبر في تغيير مسار حياتها، وتقول إنهم ساعدوها على مواجهة المجتمع بإرادة أقوى، حتى تحولت المواقف التي كانت تواجهها إلى دروس تتعلم منها، وأصبحت مع مرور الوقت أكثر قدرة على التعامل مع من حولها.

وتقول إن حياتها تغيرت “أكثر من 180 درجةً”، بفضل مساندة أهلها الذين دفعوها إلى المواجهة وعدم الانعزال.

وفي رحلة العلاج الطويلة، بقيت في ذاكرتها وجوه تجاوز دورها حدود المهنة، من بينها أخصائية العلاج الطبيعي التي ساعدتها على تجاوز خوفها من المستشفيات.

تصفها زينب بأنها لم تكن معالجة فحسب، بل «صديقة وأختًا وقريبة في الوقت نفسه»، وكان لقربها منها أثر في قدرتها على الاستمرار في جلسات العلاج وما يرافقها من أدوية وإجراءات.

من الدمى إلى الرسم

في السنوات الأولى من علاجها في الخارج، كان عالم زينب صغيرًا؛ تقضي وقتها في اللعب بالدمى.

لكن دخولها المدرسة غيّر شيئًا فيها.

بدأت تميل أكثر إلى الرسم والتلوين، لم تبدأ الرسم باعتباره وسيلة علاج، ولم تكن تبحث في طفولتها عن طريقة واعية للتعبير عن آثار الحريق. كان الأمر، كما تقول، هواية أحبّتها، وكبرت معها بهدوء.

وحين تُسأل إن كان الحريق قد ترك أثرًا مباشرًا أو غير مباشر في أعمالها الفنية، تقول إنها لا تتذكر ذلك، لكنها تعرف جيدًا ما يعنيه الفن بالنسبة إليها اليوم.

“الفن عالم لا يوصف، ولا أستطيع أن أتكلم عنه في كلمات قليلة.. الفن يجعلك تعيش مع اللوحة”.

لا تحصر زينب نفسها في اتجاه فني واحد؛ تحب تجربة الأفكار والمشاعر المختلفة التي تمر بها أو تسمع عنها، وتأتي الموضوعات الدينية في مقدمة اهتماماتها، ثم البورتريه، يليه الفن التجريدي، إلى جانب تجارب وأساليب أخرى.

وتقول إن لديها الكثير من اللوحات القريبة منها، فيما تعيش تجربتها الفنية اليوم باعتبارها مساحة مفتوحة؛ ففي كل يوم، كما تصف، تجربة جديدة مع فكرة أو أسلوب مختلف.

معارض قليلة.. وحلم كبير

رغم استمرار علاقتها بالفن، ظلت مشاركات زينب في المعارض محدودة.

فالوصول إلى أماكن بعيدة والبقاء لفترات طويلة يرهقانها صحيًا، ما جعل حضورها في الفعاليات الفنية أقل مما ترغب فيه. وكانت آخر مشاركاتها في معرض “الدوخلة” قبل نحو 11 عامًا.

لكن قلة المعارض لم تقلل من مساحة الحلم.

فهي تطمح أن تصل تجربتها الفنية إلى أبعد ما يمكن.

جمعية مضر.. حضور في رحلة العلاج

على امتداد سنوات العلاج، بقي لجمعية مضر الخيرية حضور في رحلة زينب الصحية.

وتقول “من لا يشكر الناس لا يشكر الله. كان لجمعية مضر دور كبير في تلبية احتياجاتي الطبية بكل أنواعها”.

وتوضح أن علاقتها بالجمعية استمرت خلال مراحل مختلفة من حياتها، إذ كانت تقف إلى جانبها عند حاجتها إلى العلاج في مستشفى معين، أو إلى علاج أو دواء.

وبعد مرور كل هذه السنوات على الحريق، لا تنظر إلى نفسها باعتبارها شخصًا يريد محو ما حدث أو الهروب منه.

بل تقول “الحمد لله الذي اختارني لهذا الاختبار العظيم. كلي فخر أنني من مصابات الحريق، وكل سنة، بل كل يوم وحتى الآن، نتعلم دروسًا جديدة”.

الحريق جزء من قصتها، والعمليات جزء منها، وكذلك الألم وكلمات الناس والسنوات التي قضتها متنقلة بين العلاج والسفر.

لكن في الجهة الأخرى من الحكاية، هناك إرادة قوية دخلت عالم الفن لتهزم آثار “العرس الدامي”.