أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

“غتمة”… وما كانت غتمة..!

محرر صُبرةالجمعة 9 أكتوبر 2026، 4:13 م
“غتمة”… وما كانت غتمة..!

صادق المحسن

في طفولتي، كانت تسكن بجوارنا امرأة من ذوي الصم والبكم.

وكنا، بلهجتنا العامية، نطلق على حالتها كلمة: “غتمة”.

كلمة قلناها بجهل… دون أن نعلم،

أن من نسمّيها غتمة كانت في الحقيقة، تنطق بأعلى صوت… صوت الروح.

لم تكن تتكلم، لكنّها كانت تُحدث أثرًا لا يُنسى. كانت أمًّا دافئة، حنونة، تُعبّر عن حبها بنظرة، بإشارة، بلمسة.

لم تحتج إلى صوت لتقول: “أنا هنا”، ولا إلى جملة لتمنح الأمان.

أبناؤها كانوا يفهمونها، وكأنهم وُلدوا على تردد قلبها.

لغة لا تُسمع، لكنها تُشعر. تواصل لا يُفكك، لكنه يُعاش.

حين نضج الوعي بداخلي، فهمت. فهمت أن اللغة ليست الأصل.

وأن كثيرًا من الطاقات الإنسانية العميقة وُجدت قبل مجيء اللغة: الحب، الحدس، الأمان، الإبداع، الفن.

بل إنّ معظم المهارات والإبداعات الإنسانية العظيمة،

انبثقت من مكانٍ صامت، فطري، أسبق من الكلمات… وأصدق منها.

وتعلمت أيضًا أن اللغة، رغم عظمتها، قد تفسد بعض النقاء. قد تُربك شعورًا كان كافيًا بذاته. رد قد تُشوّه صدقًا لا يحتاج تفسيرًا.

جارتنا التي ظنناها غتمة، كانت أبلغ من كثيرين يتكلمون طوال الوقت… دون أن يقولوا شيئًا.

علّمتني أن هناك أرواحًا تتحدث بلا صوت، وأن الحب الحقيقي يُدرك بالقلب، لا بالأذن..