أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عين السِّيف ما غرّقت ياهل

منة الله فتحيالأربعاء 2 سبتمبر 2026، 9:30 ص
عين السِّيف ما غرّقت ياهل

حسن دعبل

لم يكن الماء غير حياة ووجود عند أهلنا.

لم يشربوا غير المالح من الماء، ولم تُبلّل أجسادهم غير ملوحة البحر ومايته.
الماء شحيح، والرُّطب والنخيل في دولاب البرية، والزاد في حليوه.

لم يسأل سائل: كيف تحمّلت الأمهات حمل الماء على رؤوسهن؟
وكم من شوطٍ من المشي قطعن، ذهابًا وإيابًا، والماء يسيل من على رؤوسهن، وأرديةٌ بلّلها العرق، وما أهرق من الجرار المحمولة؟

البحر سكن البيوت “المزفونة” قبل أن تسكنه الأنفس.

لا ماء ولا زرع ولا شجر. نُخيلات متباعدة وقريبة، زُرعت في الخَيبان.
النُخيلات ربما قبل الناس، ومنذ الأزل البعيد. تقاسمت الرمل والسّيف، وشربت من مالح الموج، قبل “دحّ الموي” العالقة في اللّسان، أول نطقه.

والخَيبان، لِمن خاتله الاسم في غفلةٍ من التذكّر، هو المكان الذي فارت منه عين الماء في حلاوته.

والماء جرى نهره الصغير جدولًا بعذوبته ناحية البحر، ليصبغ حلوه بملحه.

مرجٌ من الماء سال، حلوٌ ومالح.

تلك هي سنوات الخمسينيات من القرن المنصرم، في سنواته الخمس الأولى.

حُفرت العين، شاقّةً سبخةً بعيدة، مُقطّعةً نخيل الخَيبان المعمّرة، والذاهبة في أعماق سيفٍ ذاب في سبخته.

دَوِيُّ صراخ عمود الحفر غائرًا في عمقه، وشاقًّا تراب الأرض وجذبها. لا ضرع ولا زرع، ولا قطيع من الماشية مرّ قربها. تُميراتٌ يابسة تساقطت من عذوق نخيل الخَيبان، تلتقطها طيور البحر، وسمان موسمية تحطّ على سُعيفاتها، قبل اصطيادها من مهرةٍ يتحيّن تلك المواسم من الهجرات.

انشقّت عيون عذبة بصرخةٍ مُستبشرة، مُهلّلةً نسوةٌ قبل أن يمسحن وجوههن بعذوبة ماء حلو، لم يحملنه فوق الرؤوس. طار الخبر سعيدًا بين البيوت. غيمة ظلّلت الشتاء قبل مواسمه، ليتساقط مطره بشارةً من باطن الأرض.

أسموها عين السِّيف بشارة الماء وهو يجاور سِيف البحر.

والسِّيف شرفة البيوت في شروقها وإشراقها، ومِيدّف خشبهم. يُصبّحون بعيونهم ناحية الشرق، حيث تشرق الشمس، وتخطف الأشرعة. من الشرق تأتيهم البشارة، ومنه يأتيهم الغريب؛ ومن يلفوا ويلوذوا بهم، من الخوف والجوع والسفر البعيد.

أشرعة تُطوى وتُطرح، وأشرعة تُرمى.

لم تأتِ السّير وهي تُروى شفاهيًا:

هل ارتوت نخيل الخَيبان من ماء عين السّيف؟
وهل ماتت سعفاتها وطارت طيور السّمان؟

الخَيبان وعين السّيف، ذاكرة غابت وغيّبها النسيان.

الخَيبان: اسم لنخيل نبتت في أرضٍ رحمانية قبل أن يملكها الناس، مظلّلة رمال السّيف، وهم يفترشونه ليلاً هرباً من حرّ القيظ وكوس هواءه الرطب. تلك أزمان النوم قرب الأسياف.

عين السِّيف: أول عين ماء حفرت في السنابس في أول خمسينيات القرن الماضي، قرب سيف البحر ، فأخذت اسمها منه، حيث لا ماء حلو ولا شجر؛ يُجلب الماء من عين باشا، أو العودة في تاروت، مُحملاً على الرؤوس.