نزار عبدالجبار لـ«صُبرة»:نساء القطيف ظلمتهن الكتب.. وأنصفتهن الوثائق

العوامية: أمل سعيد
غابت أسماؤهن عن كتب التراجم، لكن أوراقاً صفراء عمرها مئات السنين احتفظت بهن؛ نساء من القطيف ظهرن في الوثائق مالكات وواقفات وموصيات وواهبات، وحفظت عقود البيع والشراء والوقف والوصايا أسماءهن وأجزاء من حياتهن، بعدما عبرت كتب الرجال من دون أن تمنحهن المساحة نفسها.
هذه واحدة من أبرز المفاجآت التي خرج بها الباحث نزار عبدالجبار من مشروعه الطويل في تتبع وثائق القطيف ومخطوطاتها، والذي أثمر أخيراً كتابه «أعلام القطيف وزائروها».
والتقت «صُبرة» عبدالجبار في مكتبته الشخصية في العوامية، واطلعت عن كثب على مشروعه التوثيقي، واستمعت منه إلى قصة الكتاب ورحلته مع آلاف الوثائق ومئات المخطوطات، وما قادته إليه من أسماء مجهولة، ومعلومات تصحح ما ورد في تراجم سابقة، وشخصيات بقيت خارج كتب الأعلام.
وفي قلب هذه الرحلة حضرت المرأة بصورة فاجأت الباحث نفسه.
ويقدّر عبدالجبار أن النساء يشكلن نحو 30% من الأسماء التي ظهرت في كامل عمله، ومعظمهن ظهرن في الوثائق بوصفهن واقفات، أو صاحبات وصايا، أو واهبات، وهي وثائق تكشف في الوقت نفسه حضوراً اقتصادياً واجتماعياً للمرأة في القطيف القديمة.
ويلخص عبدالجبار هذه المفارقة في عبارته: «ظلمتها الكتب وأنصفتها الوثائق».

40 وصية.. نصفها لنساء
ولم ينتهِ حضور النساء عند مادة الكتاب؛ إذ يعمل عبدالجبار حالياً على موضوع مستقل عن الوصية في القطيف، مستنداً إلى الوصايا القديمة.
ويقول إنه اطلع حتى الآن على ما يقارب 40 وصية، وفرغها، لافتاً إلى أن نصف ما اطلع عليه وصايا نساء، وتحمل في داخلها كماً كبيراً من المعلومات التي تتجاوز أصحاب الوصايا إلى المجتمع والملكية والعلاقات والأماكن والأسر.
زينب ونخل التوبي
ومن بين الأسماء التي أخرجتها الوثائق زينب بنت السيد محمد الماحوزي.
وفي وثيقة تعود إلى سنة 1184هـ يظهر اسم زينب في معاملة مرتبطة بنخل في التوبي؛ إذ كان أخوها قد اشترى نخلاً ثم وهبها جزءاً منه.

وبحسب عبدالجبار، تتعلق الوثيقة بمبايعة «نخل العمارة» في قرية التوبي على ساقية عين القصير، بقيمة بلغت 4200 محمدية، تعادل 42 توماناً، وهي عملة فارسية ذهبية كانت مستخدمة في العهد الصفوي.
ويشير إلى أن النخل كان وقفاً لدى الشيخ محمد العدساني، قاضي الكويت، ثم بيع إلى شخص من القطيف للاستفادة من قيمته في أوقاف الكويت، قبل أن يشتريه أخو زينب ويهبها جزءاً منه.
وتظهر أسماء نسائية أخرى بين الوثائق؛ منها سلامة بنت خواجة محمد علي قرنتل البحرين سنة 1144هـ، وأم الخير بنت عيسى بن علي بن عرفات من القديح سنة 1161هـ، وسلامة بنت الشيخ يوسف بن ناصر آل عمران سنة 1131هـ.
من الوثيقة إلى الكتاب
لكن النساء لسن سوى واحد من الأبواب التي فتحتها الوثائق أمام عبدالجبار.
فمشروع «أعلام القطيف وزائروها» لم يبدأ أصلاً بهذا الاسم. يقول الباحث إن المشروع انبثق من كتاب أساسي عمل عليه بعنوان «أعلام الوثائق في 4 قرون ونصف»، بدأه من القرن العاشر الهجري، وجعل نهايته سنة 1387هـ.

وكانت نقطة البداية أقدم وثيقة وقف عليها ضمن ذلك المشروع، مؤرخة في سنة 937هـ.
وأثناء تفريغ الوثائق بدأ عبدالجبار باستخراج أسماء الأشخاص الواردة فيها، سواء كانوا متملكين أو مؤلفين أو نساخاً أو أطرافاً في معاملات، مع محاولة ترجمة من تتوافر عنه المعلومات وربط بعض الأعلام بالأسر المعروفة.
لكن المشكلة ظهرت كلما تقدم العمل.
فثمة أعلام معروفون من القطيف لم يظهروا في الوثائق التي جمعها؛ ومنهم، وفق حديثه، الشيخ إبراهيم القطيفي والشيخ سليمان بن عبدالجبار وغيرهما.
هنا اضطر إلى تغيير المنهج.
كل شخص ترك أثراً.. عَلَم
وسع عبدالجبار مفهوم «العَلَم» نفسه.
فالأعلام في كتب التراجم التقليدية غالباً ما يدورون حول رجال الدين والأدباء والشعراء وأصحاب المكانة، أما في مشروعه فالمعيار مختلف.
يقول: «كل شخص هو علم» ما دام قد ترك أثراً يمكن الوقوف عليه في مؤلف أو وثيقة.
وعلى هذا الأساس دخل إلى مشروعه البائع والمشتري والشاهد والوصي والموصى عليه والواقف والموقوف له، ودخلت النساء أيضاً من الأبواب نفسها.
ثم ظهرت أمامه مشكلة أخرى: شخصيات عاشت في القطيف وأثرت فيها، لكنها ليست قطيفية الأصل.
ويضرب مثالاً بالشيخ يوسف البحراني صاحب «الحدائق»، وحسن الدمستاني؛ وهنا اتسع المشروع مرة أخرى، وأضيفت إلى العنوان عبارة «وزائروها» لتشمل الشخصيات التي سكنت القطيف فترة وكان لها دور فيها.

270 شخصية
وبعد توسيع الفترة الزمنية إلى القرن الثامن الهجري، وصل عبدالجبار إلى قرابة 270 شخصية، رتبها زمنياً بحسب القرون، ثم أبجدياً داخل كل قرن.
والمفاجأة الأكبر في هذا الرقم أن عبدالجبار يقدّر أن أكثر من 80% من هذه الشخصيات لم تُذكر سابقاً في مصادر التراجم التي وقف عليها.
وهذا يعني أن المشروع، وفق تقديره، لا يعيد جمع أسماء الأعلام المعروفين بقدر ما يفتح الباب أمام مئات الأسماء التي ظلت خارج كتب التراجم.
ومن أقدم الشخصيات التي أدرجها أحمد بن يوسف الخلف، الذي وجد عبدالجبار أثراً له يعود إلى سنة 743هـ، بل وقف على صورة لخط يده.
3 آلاف وثيقة
خلف هذه الحصيلة أرشيف ضخم من الأوراق.
يقول عبدالجبار إن عدد الوثائق التي استعان بها في المشروع بلغ نحو 3 آلاف وثيقة، إلى جانب مئات المخطوطات التي اطلع على أصول كثير منها داخل القطيف وخارجها.

وطريق الوصول إلى هذه الوثائق لم يكن واحداً.
فقد فتح له كثير من الأهالي مجموعاتهم الخاصة، وأتاحوا له الاطلاع على وثائق أصلية متوارثة، فيما أطلعه شخص واحد من القطيف وحده على 950 وثيقة أصلية متوارثة لدى أسرته.
ومن المخطوطات كان عبدالجبار يستخرج أسماء المؤلفين والنساخ والمتملكين وغيرهم، محولاً الهوامش والتملكات والإشارات الصغيرة إلى مادة لبناء تراجم أشخاص ربما لم يبقَ لهم أثر في مصدر آخر.
«قاضي الخط» و«قاضي القطيف»
ومن بين ما وجده عبدالجبار وثيقة مؤرخة في سنة 1075هـ ورد فيها، بحسب قوله، تعبيران لافتان: «قاضي الخط» و«قاضي القطيف».
ويقرأ عبدالجبار اجتماع التسميتين في الوثيقة بوصفه مؤشراً إلى أن «الخط» كان اسماً للإقليم الأوسع، فيما كانت القطيف جزءاً منه.
كما قادته الوثائق إلى رصد عائلات كثيرة كانت موجودة في القطيف ثم اختفت أسماؤها أو تغيرت.
ومن الأمثلة التي يوردها أسرة «عبدالإمام»، التي يصفها بأنها كانت من العائلات العلمية الكبيرة، ويربط بها الشيخ جعفر الخطي، قبل أن يختفي الاسم القديم وتظهر الأسرة باسم «الخطي».

من أين جاء يحيى العوامي؟
ولم تكتف الوثائق بإضافة أسماء مجهولة؛ ففي بعض الحالات دخلت على تراجم شخصيات معروفة وصححت أو أعادت مناقشة معلومات متداولة عنها.
ومن أبرز الأمثلة التي يوردها عبدالجبار الشيخ يحيى العوامي، أحد كبار علماء القطيف في زمانه.
ويقول إن مصادر سابقة تناولت نسبته إلى آل عمران، لكن الوثائق التي وقف عليها قادته إلى نتيجة مختلفة؛ إذ وجد نصوصاً تفيد بأن الشيخ يحيى بحراني الأصل، من البلاد القديم، وأنه قدم مع والده وسكن العوامية في القرن الثاني عشر الهجري، ثم انتقل إلى القطيف.
واستكمل عبدالجبار الصورة بمعلومات عن تلاميذه وإجازاته، ثم بأبيات شعر وقف عليها تؤرخ وفاته.
أبو الفرج الخطي.. قطيفي أم أحسائي؟
ومن المسائل التي أعاد المشروع فتحها أيضاً شخصية أبي الفرج الخطي، التي دار حولها نقاش في نسبتها إلى القطيف أو الأحساء.
ويقول عبدالجبار إنه وقف على شواهد كتابية تشير إلى أن أبا الفرج أصله من الأحساء وسكن القطيف، وأن وجوده في القطيف موثق في القرن الثاني عشر الهجري.
وهي واحدة من مسائل عدة يقول الباحث إن العودة إلى الوثائق الأصلية أتاحت له إعادة فحصها بعيداً عن تكرار ما تناقلته كتب التراجم.
القطيف التي بقيت في الأوراق
بعد آلاف الوثائق ومئات المخطوطات، يصل نزار عبدالجبار إلى خلاصة أكبر من كتاب واحد.
فهو يرى أن ما صدر عن أعلام القطيف لا يمثل إلا نسبة محدودة من أعلامها الحقيقيين، وأن جانباً واسعاً من تاريخ المنطقة وأعلامها وأماكنها بقي بعيداً عن التدوين.
ولهذا لا يتعامل مع الوثيقة القديمة باعتبارها عقد بيع أو وقف أو وصية انتهت وظيفتها قبل مئات السنين؛ ففي الأسماء الصغيرة المكتوبة بين سطورها يمكن أن توجد سيرة شخص، واسم امرأة، وأسرة اختفت، ومكان تغير، وعالم التبس أصله.

ومن مكتبة عبدالجبار في العوامية، حيث تتراكم الكتب والمخطوطات وصور الوثائق التي أمضى سنوات في تتبعها، يبدو «أعلام القطيف وزائروها» حصيلة مرحلة من مشروع أكبر؛ مشروع يحاول أن يعيد إلى ذاكرة القطيف أشخاصاً حفظتهم الأوراق، بعدما غاب كثير منهم عن الكتب.



