أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الجَبَلة وبروجها الأربعة

منة الله فتحيالسبت 5 سبتمبر 2026، 2:13 م
الجَبَلة وبروجها الأربعة

حسن دعبل

الأهالي أسموها “الجَبلة”، وهم يصعدونها عاليًا، بخفةٍ وهمّةٍ وصبر؛ ذاك أنهم يصعدون تلةً من تحت أقدامهم، ولا يرون سوى بيوتٍ وأصواتٍ تتناهى إلى أسماعهم من نوافذ شتّى.

تلك هي البيوت الميسورة التي سكنت هنا، وبالقرب من القلعة، أو القصر كما يحلو تسميته. فحتى الدكاكين الصغيرة التي تناثرت خارج أسوار القلعة، والتي تهدّمت جرّاء الحروب والمعارك التي دارت داخل أسوارها، ومن تحصّن بها حتى آخر حصنٍ من دفاعاته المستميتة، أو من قادَه انتصاره، وهو يأمر فلول جنوده بتسلّق الأسوار، وطرد ما تبقّى من آخر جندي يلوذ بها، ويجول بناظريه نحو البحر البعيد.

فالقلعة بأبراجها الأربعة الطينية، والتي تناثرت قرب من لاذ بأسوارها أو تحصّن بها على أصوات صرير بواباتها، وهي تُغلق ليلًا على صيحات الجنود المُفزعة؛ حتى أخذت الأبراج أسماء بيوتات أهلها:

برج بيت قيس، برج ابن ادبيس، برج بيت عبد الواحد، ورابعها برج الرفعة.

فكيف غابت الأبراج، ولم تغب الأسماء؟

ربما كانت الديرة هي القرية الأهم، والتي شُيّدت على أنقاض المدن الأربع ذات الأثر الغامض، التي ترقد عليه هذه البيوتات المتناثرة والمزدانة بأقواسها وزخارفها.

أما دروايزها المنسية أيضًا، أو بواباتها، فهما بوابتان تُسمّيان “الدروايز”:

الأولى تُسمّى دروازة العين أو الحمّام، والثانية الدروازة الشرقية.

لكنّ الذي مسح ذاك الأثر ببقايا بصره يسرح و يقول:

هناك “الخادعة”، وهي بوابة الفقراء أو المزارعين.

مدافعٌ كثيرة بنيرانها هوت على القلعة في أزمنة مُتبدّلة؛ جنود وقوّاد وأمراء حروب، تحصّنوا ولاذوا وفرّوا.

حصاراتٌ وقصف وحروب ونزاعات. بيارق تُرفع على صواريها، وتُنزّل أخرى وتُطوى، فتودع للنسيان.

ذاك ما جعل المؤرخ الإنجليزي ذائع الصيت “لوريمر” أن يصفها بالسيئة، أو قلعة قديمة بحالة سيئة.

وصفٌ دقيقٌ لأزمنةٍ سحيقة مرّت على أديم هذه التلة الغامضة. هو ما أثار الوالي العثماني «أحمد مدحت باشا» لترميمها وجعلها ملاذًا آمنًا لجنوده العطاشى من سفر البحر.

حينها أمر بحفر العين أو الحمّام، فتفوّه الناس باسمه «حمّام باشا»؛ اغتسلت الأجساد والدواب، ومن تكلّست أجسادهم بملوحة الغوص. فكان الحمّام مكانًا وحياة:

حكايات قهاوي؛ لؤلؤًا وغناءً.

حكاياتٌ كثيرة تُنسج حول المكان، والقلعة التي تقف شاهدة، لا تدلّك على أسرارها وغموضها وصمودها. واقفةٌ على شرفةٍ وتلة، أو سرّ الكنز الغامض.

لكنّ البيوت التي كانت تشتعل بأهلها وروائحهم وحكاياتهم، تتهاوى برحيلٍ آثروه بخفة أقدامهم الغريبة، وهي تخطو، أو يعاودها التذكّر لعتبات أبوابٍ وأقواسٍ مُزينة، تتساقط وتتناثر حجارتها الصلدة الرطبة.

* لا تزال الكتابات مستمرة في التأويل المجاني، وستستمر إما بعاطفة، أو تسابق مغاير لطرحٍ متناسل ومُستلٌ لقراءات وكتابات بأقلام بلدانية النسق والأسلوب. لم يجف حبر أقلامها بين أزمان بعيدة وقريبة، وعهود يتداخل بها التاريخ وحجارة البناء قبل صخوره التي جُلبت عبر سفن البحر أو على ظهور الإبل العابرة مخاضة البحر، والمحمولة على جاريات السفن بصيغة العجب! تتداخل الأزمان السحيقة بالقريبة، ربما الأقرب لها الفترة القرمطية، قبل العيونية، حتى تقترب من الفترة البرتغالية وتاريخ القلاع، انتهاءً بالفترة العُصملية.

فحتى الاستيطان البشري للمكان واشتقاق الاسم وعشتاريته المتأرجحة بين طرفين: فينيقي ورافديني. والأكثر يميل إلى فينيقية الاسم، وكأن فينيقية السفن لم تغادر المكان قبل أن تُلبس مقابرها أرديتها الحمراء. أما فترة حضارة العبيد الثانية (4300-4000 ) ق م ، فهي قبل فترة ديلمون المُخلدة بالمكان وعذريته وطهارته، حيث لا ينعق الغراب ولا يفترس الذئب الشاة. وما دوّن وكُتب في ملحمة جلجامش الخالدة، والبحث عن عشبة الخلود، والحياة السرمدية؛ فهي إشارة إلى خلود المكان بسرمدية الموت في مقبرة مائية مخلّدة في الكتابات الرافدينية وحضاراتها. وهو الأقرب إلى الخلود ، وما عثر في المكان وعلى أطرافه من اللّقي والفخاريات والمعثورات والقبور.

هذا لا يعني تلقائيًا أن المكان كان مدينة عبيدية أو مركزًا استيطانيًا مستمرًا. يجب أن لا ننسى الاتصال التجاري في الشرق القديم ، والهجرات البشرية.

الجَبَلة: إشارة إلى المكان المرتفع والقائمة عليه البيوتات والقلعة، وما تقف عليه أو بُنيت على أنقاض مدن أربع تنام في باطن الأرض، و بقايا منازل هدمت عبر الأزمان والحروب.

أم مقبرة دلمونية مُخلّدة؟