الطُّقْس بنُطْقه: ممبوّه يا غناتي

حسن دعبل
هذه العين الصافية والمغسولة بملوحة الماء؛ هي عيني المُحمرّة من كثرة الطمس والسباحة واللَّعب. وهي نفس العين التي رأت النسوة الكبيرات؛ وهنّ يغمرن أجسادهن في البحر برشّة الماية الجارية، حاملات أطفال حديثيّ الولادة، مُدمَية بمشيمةٍ للتوّ قُطعت حبالهم من سُرَر أمهاتهم.
تلك هي الطهارة الأولى لأجسادهن الغُرّ بملوحةٍ طاهرة، وهنّ يُغنّين مع فتيات حُدّث، ويصفّقن بأكفهن البيضاء مع صرخات أطفال، ويقُمن برشّ الماء على أجساد المواليد.
يمسحن بأكفهن سبع مسحات مُقدّسة على بياضٍ ورأس جمجمة هشّة، وشعر نابت أسود كالّليل.
تسبوعة أدعية مباركة فرحة، وأمنيات يودعنها لأسرار وأمانيّ، وقراءاتٍ لجبينٍ مكتوب.
هذه الطقوس التي لا أعرف بداياتها ولا نهايتها، اختفت من حياتنا أو حياتهن الآن..
أيّ أثرٍ ذَرَّ مع الريح واختفى؟
هنّ تلك الأمهات اللاتي أرضعنني من فناجين بيضاء؛ ماءً صافياً بغرغرة مرّةً بأصابعهن، ومرّةً برشفة.
وهنّ يرطنّ رطنة «ممبوّه ياغناتي».
تلك هي الرشفة الأولى قبل رضعة الثدي.
والمفردات نفسها التي قرأتها لاحقاً، وأنا أتصفح الكتب لأرحل بنَهم الغريب في كتب الصابئة المندائيين. حين استوقفتني مفردتي «الرطنة» و«المبوهة». فمفردة الرطنة تعني في اللغة العامية الصابئية، خليط من المندائية والعربية والفارسية؛ أما الممبو أو اللمبوهة فهي ممبوعة أو الماء الطاهر المقدّس.
أيّ حيرةٍ تتلبسك في الوعي، حين تعصف بذهنك الطفل حنينًا لأيامك البكر، ولجسدٍ غسَلته المياه العذبة والمالحة، وحيرةٍ لأفقٍ بعيد سكنته أشرعة بيضاء وسفن وأغانٍ ورقصات وعبادات وطقوس.
حتى الماء الذي كان جارياً، كان هو الآخر مُقدّساً بتراتيل وأدعية وغناء وأعياد.
هكذا كنت أراقب من تبقّى من الأسلاف في أواخر خريفهم، حيث لم يبتعدوا كثيراً عن البحر، وكنت أراهم، وهم ينزلون إلى الماء بفانيلاتهم البيضاء وإزاراتهم.
ينزلون ببطء وسكينة إلى الماء،؛ حتى إذا ما غطّى وسطهم غابوا بخفةٍ وغطسة، وهم يصبغون أجسادهم بطهارةٍ، كمندائي توّقَ للاغتسال.
تسبوعة: مفردة عتيقة طاهرة، تتقاسمها الأدعية في طهارة الأجساد من نجاساته، ودم الولادة والمشيمة. والتسبوعة سبعة في العدد لكنها طاهرة ومُطهّرة في المعنى والاغتسال.
ممبوّه: تهويدة لغرغرة الطفل بالماء بعد الولادة،




