القرآن أولًا 19| الأعلمية

الشيخ علي الفرج
يظهر أن من أقدم من تعرّض لمسألة تقديم الأعلم في مقام الرجوع إلى المجتهدين الشريفَ المرتضى (ت 436 هـ)، حيث أشار إلى الترجيح عند اختلاف المجتهدين. ثم جاء الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، فتحدّث عن تقديم «الأفقه» عند اختلاف المفتين. غير أن هذه العبارات لا تدل على وجوب تقليد الأعلم، ولا تثبت أن الأعلمية كانت آنذاك شرطاً في جواز الرجوع إلى المجتهد، ولا سيما مع اختلاف سياقات هذه الكلمات ومقاماتها.
ثم تعرّض المحقق الحلي (ت 676 هـ) في «معارج الأصول» للمسألة، وتبعه العلامة الحلي (ت 726 هـ) في بعض كتبه. ويمكن استفادة اعتبار الأعلمية وتقديم الأفقه من بعض كلماتهم، إلا أنه لا يظهر فيها القول بوجوب تقليد الأعلم ولا جعل الأعلمية شرطاً في التقليد بالمعنى المتأخر.
والأدق تاريخياً التفريق بين أصل الالتفات إلى زيادة العلم والأفقهية بوصفهما جهةً للترجيح، وبين وجوب تقليد الأعلم بوصفه حكماً فقهياً مستقلاً؛ فالأول له جذور قديمة، أما الثاني فلم تتضح معالمه بهذا الوضوح إلا في المراحل المتأخرة.
ثم اتسع البحث في الأعلمية وتطوّر عند المتأخرين، ولا سيما منذ الشيخ محمد باقر البهبهاني (ت 1205 هـ)، وصاحب الجواهر الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266 هـ)، والشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ)، حيث انتقل البحث إلى دراسة أدلتها ومبانيها، وبحث حكم الرجوع إلى غير الأعلم عند اختلاف المجتهدين، وبيان القول بوجوب الأعلمية وعدمه.
ثم جاءت مرحلة السيد محمد كاظم اليزدي (ت 1337هـ) في كتابه «العروة الوثقى»، فبرزت مسألة الأعلمية بصورة أوضح في متن الفتاوى؛ إذ جعلها في صدر مسائل التقليد، وصرّح بوجوب تقليد الأعلم على مبناه.
وكان لإدراجها في بداية «العروة الوثقى» أثر في ترسيخ الأعلمية وإبرازها بوصفها من شروط المرجع الذي يصح تقليده، فانتقلت من بحثٍ يدور حول تقديم الأفقه والأعلم والترجيح بين المجتهدين، إلى مسألة فقهية مستقلة ذات حضور بارز في مباحث التقليد وشروطه.
ومنذ ذلك الحين أخذ البحث في الأعلمية يتسع، من حيث أدلتها وحدودها وطريق إحرازها، وأصبحت من المسائل البارزة في كتب الفقه والرسائل العملية.
أقول: هل اشترط القرآن الكريم الأعلمية فيمن يرجع إليه الناس لمعرفة أحكام الدين؟
والصحيح أن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة، الآية 122) لا يدل على اشتراط الأعلمية؛ فالآية جعلت مناط الرجوع التفقه في الدين والقدرة على الإنذار، ولم تجعل الأعلمية شرطاً فيمن يتصدى لذلك. كما أن لفظ «طائفة» ورد مطلقاً من هذه الجهة، ولم تتضمن الآية قيداً يدل على أن الرجوع إنما يكون إلى الأعلم من أهل التفقه.
ومقتضى إطلاق الآية عدم اشتراط الأعلمية، ولا يصح تقييد هذا الإطلاق بالروايات على مسلك مرجعية القرآن؛ لأن ذلك يستلزم تقييد إطلاق قرآني بقيد لم يذكره القرآن. نعم، يمكن ترجيح الأفقه والأعلم في مقام الاختيار، من دون أن يتحول ذلك إلى شرط في أصل جواز الرجوع والتقليد.
والنتيجة: أن مناط جواز التقليد هو الرجوع إلى المجتهد العادل الجامع للشرائط، ولا دليل قرآني على لزوم إحراز كونه أعلم من غيره، فتكون للمكلف سعة في الرجوع إلى من يراه أنسب له من المجتهدين العادلين.
مستند الأعلمية عند العلماء
استدل القائلون بلزوم تقليد الأعلم بجملة من الأدلة، وفي مقدمتها السيرة العقلائية. وحاصلها أن العقلاء، عند اختلاف أهل الخبرة في مسألة واحدة، يرجعون إلى الأعلم والأكثر خبرة؛ لأن الأقرب إلى الإصابة يكون أولى بالاعتماد. فكما يرجع المريض عند اختلاف الأطباء إلى من هو أعلم وأخبر، ويرجع صاحب البناء في شؤونه الهندسية إلى المهندس الأعرف والأقدر، كذلك ينبغي للمكلف ـ عند اختلاف المجتهدين في الحكم الشرعي ـ أن يرجع إلى الأعلم؛ لأنه، بحسب الفرض، أقدر على استنباط الحكم والوصول إلى الواقع.
وهذا هو غاية ما استُدل به على وجوب تقليد الأعلم. وعلى فرض التسليم بقيام السيرة العقلائية على الرجوع إلى الأعلم عند اختلاف أهل الخبرة، فلا يلزم منها وجوب تقليد الأعلم في المقام؛ لأن ملاك هذه السيرة هو الأقربية إلى الواقع، لا عنوان الأعلمية بما هو كذلك. فمتى لم يحرز أن الأعلمية توجب الأقربية إلى مراد الشارع، لم يكن في السيرة ما يثبت وجوب الرجوع إلى الأعلم.
وعلى مسلك مرجعية القرآن، لا ملازمة بين الأعلمية بالمعنى الاصطلاحي وبين الأقربية إلى الحكم الواقعي؛ فقد يكون فقيه أعلم من غيره من حيث سعة الاطلاع وقوة الملكة الأصولية والفقهية، إلا أن مبناه في الاستنباط يكون ـ على فرض خطئه ـ أبعد عن مراد الشارع، بينما يكون غيره أقل منه في بعض جهات العلم، لكنه أقرب في منهجه إلى القرآن وموازينه.
فإحراز الأعلمية لا يعني بالضرورة إحراز الأقربية إلى الواقع، ومع عدم ثبوت هذه الملازمة لا يصح الاستناد إلى السيرة العقلائية لإثبات لزوم تقليد الأعلم.
وهذا كله على فرض ثبوت حجية السيرة العقلائية في نفسها؛ إذ إن ملاكها اعتماد من يكون أقرب إلى الواقع وأوثق في إصابته. وعلى مسلك مرجعية القرآن، يكون القرآن هو الميزان في تشخيص الأقرب إلى مراد الشارع، فلا تثبت السيرة حجية قول فقيه بعينه ما لم يُحرز وجه أقربيته إلى القرآن وموازينه.
نقد الأعلمية
(١)
إن مفهوم «الأعلمية» نفسه غير محدد بدقة؛ فقد اختلفت المعايير التي يمكن أن يراد بها التفاضل بين الفقهاء: أهو الأقرب إلى إصابة الواقع، أم الأقوى في ملكة الاستنباط، أم الأجود في تطبيق القواعد، أم الأوسع إحاطةً بالعلوم والمصادر؟ وباختلاف المعيار قد يختلف الشخص الذي يصدق عليه عنوان «الأعلم»، فيكون أحد الفقهاء أرجح وفق معيار، وغيره أرجح وفق معيار آخر. وهذا يجعل إحراز الأعلمية متوقفاً على تحديد معيارها أولاً، ويضعف دعوى جعلها شرطاً شرعياً لازماً في التقليد.
(٢)
ومما يضعف القول بوجوب تقليد الأعلم اختلاف الفقهاء في المناهج والمباني التي يقوم عليها الاستنباط؛ فقد يكون أحد الفقهاء أقوى ملكةً وأجود استنباطاً بحسب معيار معين، إلا أن منهجه ـ على فرض خطئه ـ يؤدي إلى نتائج أبعد عن الواقع. فلو فرضنا فقيها يعتمد منهجاً معيناً في حجية الروايات، وفقيها آخر يعتمد مسلك مرجعية القرآن، ثم افترضنا أن المسلك الثاني أقرب إلى الواقع، فإن تفوق الفقيه الأول في الملكة العلمية أو جودة الاستنباط لا يستلزم أن تكون فتاواه أقرب إلى الحكم الواقعي. ومن هنا، لا تكفي الأعلمية الفنية لإثبات الأقربية إلى مراد الشارع.
(٣) إن كل مجتهد يستفرغ وسعه في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، وينتهي بحسب ما قام لديه من الأدلة إلى ما يراه أقرب إلى الواقع، ولا يرى في حدود اجتهاده حجةً أقوى مما انتهى إليه. وهذه الحالة لا تختص بمجتهد دون آخر، بل هي مقتضى الاجتهاد لكل من استفرغ وسعه في تحصيل الحجة؛ ولذلك يرى كل مجتهد أن ما أدّى إليه اجتهاده هو الأرجح لديه.
(٤)
الأعلمية وصف نسبي، فلا يكون الفقيه أعلم بالإطلاق، وإنما يكون أعلم من فقيه آخر في جهة معينة من جهات الاستنباط أو في بعض المسائل. فقد يكون فقيه أقوى في بعض مباحث الاجتهاد، ويكون غيره أقوى في مباحث أخرى، وقد يكون أحدهما أقدر على استنباط حكم مسألة معينة، والآخر أقدر على استنباط مسألة أخرى. ولذلك لا بد من تحديد الجهة التي يراد بها التفاضل عند القول بأن أحد الفقهاء «أعلم» من غيره، ولا يصح إطلاق الأعلمية على جميع مسائل الفقه.



