أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ماذا فعل «المهدي المنتظر» في رأس جهيمان؟

محرر صُبرةالجمعة 11 سبتمبر 2026، 10:38 م
ماذا فعل «المهدي المنتظر» في رأس جهيمان؟

إكس: صُبرة

قبل أن يدخل جهيمان العتيبي المسجد الحرام مع جماعته في نوفمبر 1979، ويعلن محمد بن عبدالله القحطاني «المهدي المنتظر»، كانت رحلة طويلة قد جرت داخل الرجل نفسه؛ رحلة تحاول أستاذة علم النفس الدكتورة لطيفة الشعلان تفكيكها في كتاب جديد، باحثة عن الطريق الذي نقل جهيمان من حياته العادية إلى اليقين المهدوي، ثم إلى اقتحام الحرم.

وفي كتابها «الغريب.. دراسة في الجهيمانية المهدوية: المنطلقات الوجودية والسياقات التاريخية والاجتماعية لاقتحام المسجد الحرام (1979)»، الصادر عن دار جداول للنشر والترجمة، تطرح الشعلان سؤالاً يبتعد عن تفاصيل المواجهة المسلحة نفسها، ويتجه إلى عقل صاحبها: كيف يُدفع الإنسان إلى القلق الوجودي حتى يصبح غريباً في عين نفسه؟

وتصف الشعلان الكتاب، الذي جاء في أكثر من 340 صفحة، بأنه استقصاء لصراع جهيمان الوجودي والتفاعلات العميقة التي عاش في ظلها، وما انتهت إليه من «تراجيديا تاريخية كبرى»، فيما تقدمه الدار بوصفه أول دراسة علمية من نوعها لباحثة متخصصة في علم النفس تتناول رحلة جهيمان من منظور نفسي وجودي.

قبل «المهدي»

تبدأ الحكاية قبل سنوات من ظهور «المهدي المنتظر» داخل المسجد الحرام؛ إذ يتتبع الكتاب جهيمان منذ حياته في ساجر، ثم انتقاله إلى الحرس الوطني، ومروره بالكويت، وصولاً إلى ارتباطه بالدعوة والتبليغ، ثم المرحلة التي أصبح فيها قيادياً راديكالياً في المدينة المنورة.

وبدلاً من التعامل مع اقتحام الحرم باعتباره لحظة منفصلة، تحاول الشعلان البحث عما تراكم قبلها داخل جهيمان، وكيف تشكلت رؤيته للعالم، ومصادر تكوينه المعرفي والديني، والصراعات التي أحاطت بعلاقته بالمعنى والحياة والموت.

وفي نهاية هذا المسار يظهر «اليقين المهدوي» بوصفه محطة مركزية في التحول الذي يدرسه الكتاب، وصولاً إلى الحادثة التي وقعت في مطلع عام 1400هـ، وأصبح بعدها اسم جهيمان واحداً من أكثر الأسماء التصاقاً بحادثة اقتحام المسجد الحرام.

رسائل جهيمان

ولا تعتمد الشعلان على قراءة نفسية مجردة لشخصية تاريخية؛ إذ تستند أطروحة الكتاب إلى مصادر تاريخية وأيديولوجية عربية وإنكليزية، وتعود بصورة خاصة إلى رسائل جماعة جهيمان نفسها.

وتقدم المؤلفة حصراً منهجياً لرسائل الجماعة المحفوظة في مكتبة جامعة إكستر في المملكة المتحدة، وتستخدمها في تتبع مصادر تكوين جهيمان المعرفي، والأفكار التي تحركت داخل محيطه قبل الاقتحام.

كما تتعقب الدراسة نفوذ مسلك الألباني في وعي جهيمان، وتربط ذلك بالتفاعلات العقائدية والنفسية والاجتماعية التي أحاطت به في مراحل تشكله.

لماذا فعلها؟

هنا تدخل الشعلان إلى المنطقة الأكثر حساسية في الكتاب: لماذا وصل جهيمان إلى ما وصل إليه؟

فالاقتحام خضع خلال العقود الماضية لتفسيرات سياسية وقبلية واقتصادية وطبقية، بينما تضع الشعلان هذه المقاربات تحت المراجعة النقدية، ثم تدخل من نافذة أخرى: علم النفس الوجودي.

وتستعين الباحثة بإطار إرفين دي بالوم الوجودي لتقرأ جهيمان أمام أسئلة كبرى تحاصر الإنسان نفسه؛ المعنى، والعزلة الوجودية، وحتمية الفناء.

ومن خلال هذه العدسة تحاول تفسير الصراع النفسي الذي عاشه جهيمان، والطريقة التي تشابكت بها محدداته النفسية مع معتقداته والظروف الاجتماعية المحيطة به، حتى انتهى المسار إلى اليقين المهدوي.

من ساجر إلى مكة

يتيح بناء الكتاب للقارئ مشاهدة التحول على مراحل. ففي الفصل الأول تراجع الشعلان نقدياً المقاربات التي حاولت تفسير «الجهيمانية المهدوية»، ثم تعود في الفصل الثاني إلى حياة جهيمان في ساجر والحرس الوطني والكويت وارتباطه بالدعوة والتبليغ.

ويخصص الفصل الثالث لرسائل جهيمان ومصادر تكوينه المعرفي، فيما يقدم الفصل الرابع الإطار الوجودي الذي تستخدمه الباحثة في التحليل.

بعد ذلك يدخل الكتاب مباشرة إلى داخل الأسئلة النفسية؛ فيضع الفصل الخامس جهيمان في مواجهة سؤال المعنى، والسادس أمام العزلة الوجودية، والسابع أمام حتمية الفناء، قبل أن يختتم الفصل الثامن الرحلة بما تسميه الشعلان «تجليات الدفاع الوجودي في استجابة جهيمان».

الرجل قبل الحادثة

وبهذا البناء، تعيد الشعلان ترتيب واحدة من أشهر الحوادث في التاريخ السعودي الحديث من زاوية مختلفة؛ فالمشهد المعروف يبدأ عادة من المسجد الحرام، والسلاح، وإعلان «المهدي المنتظر»، ثم المواجهة.

أما «الغريب» فيرجع خطوات طويلة إلى الوراء، بحثاً عن الرجل الذي سبق الحادثة: ماذا كان يقرأ؟ ومن أين جاءت أفكاره؟ وكيف رأى نفسه والعالم والموت والمعنى؟ وكيف تداخلت هذه العناصر مع السياق الديني والاجتماعي المحيط به؟

وهكذا يصبح اقتحام الحرم في الكتاب نهاية رحلة طويلة يجري تفكيكها من داخل صاحبها، في محاولة لفهم الطريق الذي انتهى بجهيمان إلى صباح غيّر حياته، ووضع اسمه في قلب حادثة 1979.

وصدر الكتاب عن دار جداول للنشر والترجمة، وأعلنت الشعلان توفر نسخه حالياً في المكتبة التراثية بالرياض.