أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القلاّف ونطّة العاقر.. والتشوين

منة الله فتحيالإثنين 14 سبتمبر 2026، 5:44 م
القلاّف ونطّة العاقر.. والتشوين

حسن دعبل

القلاّفة مهنة عريقة عرفها أهل البحر والخليج منذ القدم. ولم يعرف أهل الحرفة سوى أنها حرفة مباركة، تعلّموها وتوارثوها عن آبائهم وأهلهم؛ لكن السائد بينهم أنها حرفة مُنزّلة من السماء، بوحيٍ مبارك من الملاك جبريل إلى سيدنا نوح عليه السلام؛ ليصنع فلكه ويحمل فيه من كل زوجٍ اثنين.

فسفينة نوح، وشِرت من الأشجار والأغصان، هي الشلامين والعِطف، أي الضلوع، بدايةً من بِيصها وهيكلها، قبل أن تُغلّف من الداخل بالقار؛ لمنع دخول الماء. فنجا من الطوفان هو ومن معه.

لذا اتخذ اسم القلاّف وحرفته من الغِلف، أي التغليف والغلق، حتى نُطقت بلسان الناس والأسياف، لتغليب من نطق وقلب الغين إلى قاف، فسارت بين الناس وطرقهم ألواح البِدن: قلاّف.

فقد شاع بين الناس أن أصل كلمة «القلافة» هو «الغلافة» بالغين، ولعلها جاءت من فكرة تغليف خشب السفينة بمادة القار من الداخل والخارج، أو من عملية تغليف هيكل السفينة بالألواح الخشبية الطويلة التي تمتد من مقدمتها إلى مؤخرتها، أي سَدْر وتُفَرّ.

وهناك اعتقاد عند أهل البحر والأسياف، بأن المرأة العاقر، إذا أرادت الإنجاب، عليها أن تتحيّن الفرصة وتراقب. فعند وشار أي سفينة أو لنج، عليها أن تقفز أو تنطّ «البِيص»، حتى لو حُفِر «الفِلس».

لذا يتعمّد مُلّاكها أو النوخذة أن يأمر أحد بحريته بالحراسة ليلًا، أو حتى نهارًا عند استراحة الگلاف وغفوة العين. لكن إذا نجحت العاقر في حيلتها ونطّتها، فإنها ستلد ولدًا. أما السفينة فستغرق في أول إبحارها، وتتكسّر ألواحها وتتقاذفها الأمواج وصعابها.

وإذا صادف أن كانت هناك امرأة حامل، أو تقضي نِفاسها بعد الولادة، فإنهم يأخذونها إلى بيوت أقربائها، بعيدًا عن الأسياف وگلاليفه، لاعتقادٍ عندهم بأن في ذلك شؤمًا وخوفًا ونحسًا على المولود والنفاس.

وهذا الاعتقاد ظلّ حاضرًا في السِّيَر حتى في فترات مُتأخرة، حتى مع موت السفن الخشبية على الأسياف. وإن مُورِس في الأوقات البعيدة بشكلٍ آخر؛ كالقفز على صخرةٍ مباركة، أو نخلة تُعلّق عليها الأنواط، أو حتى زيارة مسجد، يُوجَب نذره والتبرك به.

لكنه في الأساس يتعلق بالوشار وبناء السفن الخشبية أو قلاّفَتها.

وللسفن الخشبية مراحل في بناء هيكلها؛ تبدأ من البِيص وحفر الفِلس، والأميال الأمامي والخلفي، والموالچ، والچافتوه، والخدود، والشلامين من الداخل، وتنتهي بالجوالي، أي الأغطية والألواح على فنّاتها، حتى دهانها بالصّل وصبغها أو تشوينها. ويعتقد البعض أن «التشوين»، أو صبغ السفينة وطلاؤها من الأسفل، إنما هو للزينة.

والتشوين هو أن يُغلى شحم الحيوان مع النورة أو الكلس، وتُصبغ أو تُشوّن به حملات السفينة الخشبية. وهذه المادة تحافظ على خشب السفينة من النوّ البحري، والحشرات القارضة والدودة التي تصيب أسفل السفينة. كما هو «الصِّل» الذي يُدهن به خشب الساي «الساج»، ليعطيه تلك المتانة والبريق، بعيدًا عن رائحته التي تُدوّخ بعض الرؤوس بالدوار.

التشوين مأخوذة من الفارسية، وربما كانت الفارسية قد أخذتها من الهندية «تشوناه»، التي تعني الكلس السريع، ومن «تشونا» الأوردية، وتعني الكلس أو الجير، والذي نسميه النورة.

البِيص: وهو لوح الأساس في السفينة وقاعدتها، وهو بمثابة العمود الفقري للسفينة عند الوشار.