أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

فيصل الشهيل.. ثلاثية الإدارة والصحافة والرياضة

محرر صُبرةالأربعاء 16 سبتمبر 2026، 9:00 ص
فيصل الشهيل.. ثلاثية الإدارة والصحافة والرياضة

متابعات: صُبرة

في الثالثة والعشرين من عمره، عاد فيصل بن محمد الشهيل من الولايات المتحدة ليجد أمامه مسؤولية أكبر كثيراً من سنوات عمره؛ إذ عُرض عليه منصب مدير عام الموانئ في إدارة حكومية جديدة حملت اسم «المديرية العامة للموانئ والمنائر»، وعلى المرتبة الثانية التي كانت مرتبة عالية بمقاييس ذلك الزمن. تردد الشاب في قبول المنصب، محتجاً بحداثة تخرجه وقلة خبرته، فجاءه الرد بأن التأهيل العلمي أساس يمكن البناء عليه، وأن الخبراء سيُجلبون لدعم العمل.

مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان

ومع إنشاء الإدارة العامة للموانئ أصبحت مرجعاً موحداً لجميع موانئ المملكة، ليجد ابن الـ23 نفسه أمام مسؤولية جهاز يدير موانئ الدولة كلها، بعد مرحلة كانت فيها الموانئ موزعة إدارياً بين جهات متعددة؛ فبعضها يتبع خفر السواحل، وميناء الدمام يتبع السكة الحديد، فيما كانت عائلة رضا زينل تدير ميناء جدة.

هذه المسيرة يستقصيها الصحافي السعودي عبدالعزيز علي البدر، الذي عايش الوسطين الإداري والصحافي في المنطقة الشرقية، في كتابه «فيصل الشهيل.. أيقونة الإدارة والصحافة والرياضة»، متتبعاً حياة أحد رجالات الدولة عبر الموانئ والسكك الحديدية وغرف التحرير ومجالس الأندية، ومستعيداً من خلالها مرحلة كانت المملكة توسع مؤسساتها وتدفع بكوادرها السعودية إلى مواقع القيادة.

مع أمير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن نايف

تعليم مبكر

ولد الشهيل في الطائف، وتنقل في طفولته مع أسرته بحكم عمل والده، وتلقى جانباً من تعليمه في العراق، ثم انتقل إلى بيروت مطلع الخمسينيات والتحق بالجامعة الأمريكية، حيث حصل على البكالوريوس في المال والاقتصاد، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة ودراسة إدارة الأعمال في جامعة جنوب كاليفورنيا.

ووضعت هذه الرحلة التعليمية الشاب أمام تجارب متعددة، من العراق وبيروت إلى الولايات المتحدة، ثم أعادته إلى المملكة في مرحلة اتسعت فيها أجهزة الدولة وبرزت الحاجة إلى كوادر مؤهلة تتولى مسؤوليات المؤسسات الجديدة.

مع أمير الشرقية السابق المرحوم الأمير محمد بن فهد

الموانئ أولاً

جاءت الموانئ بوابته الأولى إلى الإدارة العليا، وكان تكليفه في الـ23 من عمره حدثاً يختصر طبيعة تلك المرحلة؛ فالدولة كانت تبني جهازها الإداري بالتزامن مع تأهيل السعوديين للقيادة، والشهيل وجد نفسه مسؤولاً عن جهاز الموانئ في عمر يبدأ فيه كثيرون خطواتهم الوظيفية الأولى.

استعان الشهيل بخبراء من مصر وإنجلترا، وقام بجولات ميدانية شملت معظم الموانئ، واستمع إلى العاملين واطلع على تفاصيل التشغيل، في وقت كان توحيد المرجعية الإدارية للموانئ يمثل خطوة تنظيمية في تاريخ النقل البحري السعودي.

مع أمير الشرقية الأسبق المرحوم الأمير عبدالمحسن بن جلوي

وفي نيويورك، خلال دورة تدريبية امتدت 6 أشهر، اختار الشهيل الجمع بين مجالين سيلازمانه سنوات طويلة: الموانئ باعتبارها مجال عمله الحكومي، والصحافة باعتبارها اهتماماً فكرياً ومهنياً. درس إدارة الأرصفة وحركة الشحن والأنظمة اللوجستية، واقترب في الوقت نفسه من صناعة الصحافة الأمريكية وتجربتها المؤسسية.

نيويورك تايمز

قاد ذلك الاهتمام الشهيل إلى مبنى «نيويورك تايمز»، حيث اطلع على هيكل الصحيفة وأقسامها ومطابعها، ثم أجرت معه الصحيفة مقابلة عن موانئ المملكة ودورها في التجارة العالمية. ويذكر الكتاب أنها خصصت له عموداً كاملاً، في وقت كانت تطبع فيه نحو 7 ملايين نسخة يومياً، وامتدت تجربته الإعلامية الأمريكية إلى لقاء آخر مع «لوس أنجلوس تايمز».

تكشف هذه المحطة مبكراً عن السمة التي سترافق مسيرة الشهيل؛ فالمسؤول الحكومي حمل اهتماماً صحافياً، والصحافي نظر إلى الإدارة بعقل مؤسسي، ومع عودته إلى المملكة تحول هذا الاهتمام إلى مشاركة مباشرة في بناء مؤسسات صحافية سعودية.

ثلاث صحف

دخل الشهيل تجربة «الجزيرة» من داخل الإدارة والتحرير، وتولى الإدارة العامة ثم رئاسة التحرير في إحدى مراحلها، جامعاً بين القرار الإداري والقيادة التحريرية. ويسجل الكتاب عضويته التأسيسية في 3 صحف يومية هي «الجزيرة» و«اليوم» و«الوطن»، إلى جانب صحيفة «الرياضي» التي أسسها في الدمام.

وتجاوز حضوره في الصحافة صفة العضو المؤسس؛ إذ شارك، وفق البدر، في بناء الصحف من الفكرة والمقر والتمويل إلى الإدارة والتحرير، وعاصر انتقال الصحافة من الإصدارات المحدودة إلى الصحافة اليومية، ومن الملكية الفردية إلى الشركات المساهمة. وفي إحدى التجارب التي يستعيدها الكتاب وصل التوزيع إلى قرابة 20 ألف نسخة، وهو رقم كبير بمقاييس تلك المرحلة.

الصحافة تتغير

ويضع البدر تجربة الشهيل داخل تحول مؤسسي أكبر شهدته الصحافة السعودية في عهد الملك فيصل، عندما اتجه تنظيم الصحف إلى الشركات المساهمة التي يشترك في ملكيتها عدد من الأفراد.

ويربط الكتاب ذلك بحادثة خصص فيها رئيس تحرير إحدى الصحف 3 صفحات لتغطية حفل زواج ابنه، لتصبح الواقعة جزءاً من نقاش حول وظيفة الصحيفة وملكيتها، وينقل عن الملك فيصل معنى أن الصحيفة ملك للناس، لتدخل الصحافة مرحلة جديدة من التنظيم المؤسسي.

مقال وأزمة

وحملت الصحافة للشهيل واحدة من أكثر محطات حياته سخونة؛ إذ أثار مقال كتبه ردود فعل واسعة، وصدر بحقه قرار بإيقافه عن الكتابة وعن عمله في وزارة المواصلات ومنعه من السفر، وكان يشغل آنذاك منصب مدير عام الموانئ.

وبعد 20 يوماً، جاءه اتصال من رئيس الديوان الملكي صالح العباد يبلغه بالسماح له بالعودة، مع صرف مكافآت الصحيفة ورواتبه المتأخرة، لتصبح الواقعة محطة مؤثرة في تجربته المهنية وعلاقته بين الوظيفة العامة والكلمة الصحافية.

إلى الشرقية

انتقلت مرحلة أخرى من حياة الشهيل إلى المنطقة الشرقية والسكك الحديدية. وبعد 3 سنوات من العمل فكر في الاستقالة رغبة في التغيير، ثم جاءت ترقيته إلى المرتبة الممتازة رئيساً للمؤسسة العامة للسكك الحديدية، فاستمر في المهمة وواصل مشروع تطوير المؤسسة مع فريق من الكفاءات الوطنية.

وسجلت تلك المرحلة سلسلة قرارات مست تفاصيل العمل اليومية والمشروعات الكبرى معاً، من تنظيم الدوام ولغة المراسلات وتحديث العربات إلى تطوير الخطوط وحماية أراضي السكة وتنظيم العلاقة بين الميناء والسكك وتأسيس الميناء الجاف في الرياض.

الميناء الجاف

تبرز قصة الميناء الجاف مثالاً واضحاً على منهج الشهيل الإداري؛ فقد بلغت كلفة نقل الحاوية ذات الـ40 قدماً بالشاحنة 3 آلاف ريال، و2500 ريال للحاوية ذات الـ30 قدماً، وألفي ريال للحاوية ذات الـ20 قدماً.

وجاء المشروع بالتنسيق مع الجمارك، وضم إدارات للجمارك والشرطة والسكك الحديدية ومستودعات وساحات ومحطة جديدة، ليصبح منظومة لوجستية تنقل جانباً مهماً من حركة الحاويات وإجراءات التخليص إلى الرياض.

ويرصد الكتاب كذلك انتقال إدارة السكك إلى الكوادر السعودية، بعدما أعدت أرامكو كفاءات وطنية خلال 8 سنوات لتسلم المسؤوليات، وهي تجربة تكشف جانباً آخر من مرحلة بناء المؤسسات: استيعاب الخبرة، ثم توطينها وتحويلها إلى معرفة متراكمة داخل الجهاز الحكومي.

الرياضة أيضاً

دخلت الرياضة حياة الشهيل من الشغف ثم تحولت إلى تجربة إدارية؛ مارس كرة السلة والجري في شبابه، ثم انضم إلى مجلس إدارة الهلال نائباً للرئيس، قبل انتقاله إلى المنطقة الشرقية وارتباطه بنادي النهضة في الدمام.

وفي الأندية حضرت الشخصية الإدارية نفسها التي صاحبت الشهيل في الوظيفة والصحافة، من تنظيم العمل والبحث عن الموارد إلى بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار، لتكتمل بذلك الأضلاع الثلاثة التي اختارها البدر عنواناً لسيرته: الإدارة والصحافة والرياضة.

سيرة مرحلة

في 172 صفحة، يستخدم عبدالعزيز البدر حياة فيصل الشهيل نافذة على زمن تشكلت فيه مؤسسات المملكة الحديثة وتقدمت فيه الكفاءات السعودية إلى مواقع القيادة. ومن شاب في الـ23 يتولى جهازاً أصبح مرجعاً لجميع موانئ المملكة، إلى رئيس للمؤسسة العامة للسكك الحديدية بالمرتبة الممتازة، وعضو مؤسس في 3 صحف يومية، وإداري حاضر في الرياضة، تتضح ثلاثية السيرة في حياة رجل دولة ارتبط جانب كبير من مسيرته بالمنطقة الشرقية ومؤسساتها وتحولاتها.

المؤلف عبدالعزيز البدر