نافذة على تاريخ البشرية من خلال الطقوس والممارسات الدينية

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي
طالب الدكتوراه في جامعة بنسلفانيا، ديفيد يادن، من المهتمين باليقظة الذهنية (1)، وهي ممارسة حظيت باهتمام علمي واسع ودُرست على مدى عقود، إذ أُجريت حولها مئات الدراسات، كما أصبحت تُستخدم في المستشفيات وغرف العلاج النفسي. وينطبق الأمر نفسه على اليوغا، التي تعود جذورها إلى تقاليد وممارسات دينية وفلسفية، ثم أصبحت في صورها الحديثة ممارسة شائعة على نطاق واسع.

في إطار عمله مع مارتن سليغمان (Martin Seligman) من مركز علم النفس الإيجابي بجامعة بنسلفانيا، بدأ طالب الدكتوراه ديفيد يادن بالتساؤل عن الكيفية التي تُستمد منها التدخلات النفسية المعتادة. وقال: “عمومًا، ابتكر الباحثون هذه التدخلات انطلاقًا من النظريات، ثم اختبروا تلك النظريات قبل قبولها. لكنه اقترح بدلًا من ذلك: “لماذا لا نعود إلى التاريخ الجمعي للبشرية، وننظر في الطقوس والممارسات التي ظل الناس يمارسونها لمئات أو آلاف السنين؟”.
وكانت نتيجة إعادة صياغة هذه الفكرة إصدارُ كتاب بعنوان “الطقوس والممارسات في أديان العالم (Rituals and Practices in World Religions)،” شارك يادِن في تحريره مع يوكُن تشاو (Yukun Zhao) من جامعة تسينغهوا الصينية، وكايبينغ بينغ (Kaiping Peng) من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وأندرو نيوبيرغ (Andrew Newberg) من جامعة توماس جيفرسون في فيلادلفيا.
اقتداءً بنهج جيمس باولسكي (James Pawelski) من مركز علم النفس الإيجابي بجامعة بنسلفانيا، الذي عمل على إيجاد حوار بين المتخصصين في الدراسات الإنسانية والاجتماعية والدينية وغيرها scholars)) ومن الباحثين في حقول العلوم الطبيعية (scientists)، لكن يادِن وزملاؤه توجهوا إلى متخصصين في أديان العالم، وطلبوا منهم تسليط الضوء على الممارسات الفردية والطقوس الجماعية التي يرون أنها مهمة، والكتابة عنها. وأوضح يادِن قائلًا: “تركنا الأمر للمتخصصين؛ وقلنا لهم: إن ممارستي اليقظة الذهنية واليوغا تحظيان باهتمام العلماء وتناولوهما بالدراسة، فماذا فاتنا من ممارسات الأديان الأخرى؟ وما الطقوس والممارسات الممارسة فيها التي تشبه، إلى حد ما، وظائف ممارستي اليقظة الذهنية واليوغا ولها آثار نفسية شبيهة لها، مثل تهدئة النفس، وتحسين التركيز، وتنظيم الانفعالات، وتعزيز الشعور بالراحة والهناء النفسي، لكنها لم تحظَ بالقدر نفسه من الاهتمام والدراسة؟”.
ولإعداد هذا الكتاب، كتب 15 أكاديميًا عن 13 ديانة، من بينها الهندوسية والبوذية والنزعة الإنسانوية Humanism)) (2) بحيث يقدم كاتب كل فصل لمحة موجزة عن الديانة أو موضوعها، ثم يتناول بالتفصيل ممارسات محددة. وتحدث يادِن عن الدافع وراء تأليف الكتاب.
ما الدافع وراء تأليف كتاب من هذا النوع؟
أنا من المهتمين بالأبحاث المتعلقة باليقظة الذهنية واليوغا، وهناك مئات الدراسات التي تناولت هذين الجانبين، كما تُمارس هذه الأساليب في المستشفيات وغرف العلاج النفسي في مختلف أنحاء البلاد. لكننا أدركنا أن مئات الملايين من الناس حول العالم يمارسون يوميًا الصلاة وغيرها من أنواع الطقوس، بالرغم من أن علماء النفس لم يتناولوا هذه الممارسات بالقدر الكافي من الدراسة.
محررو الكتاب كانوا من المتخصصين في الدراسات الإنسانية والاجتماعية والدينية والتاريخ وغيرها ومن الباحثين في حقول العلوم الطبيعية، وكانت الفكرة الأساسية هي أن العلماء يمكنهم أن يتعلموا الكثير من المتخصصين في دراسة الأديان. وقد كتب جاستن ماكدانيال (Justin McDaniel)، البرفسور في قسم الدراسات الدينية في جامعة ولاية بنسلفانيا، مقدمة الكتاب وأكد على هذه النقطة. لقد كانت تجربة رائعة وممتعة للتعلم من كل واحد من هؤلاء العلماء.. وقال يادِن إن التعلم من كل واحد من هؤلاء المتخصصين كان تجربةً شيقةً ومتواضعةً في الوقت نفسه، إذ جعلته يدرك مقدار ما يمكن للعلماء أن يتعلموه من معارفهم وخبراتهم.
هل ترى إن الكتاب موجّه أساسًا إلى الأكاديميين والباحثين، أم إلى جمهور أوسع من القرّاء عامةً؟
الكتاب موجّه أساسًا إلى إثراء البحث العلمي والاستفادة منه من قبل الباحثين والمختصين في المجالات السريرية لفهم الحالات التي يعالجونها وفي ممارساتهم المهنية. أما أنا شخصيًا، فأجد نفسي شغوفًا بالدراسات الدينية.
يتناول كل فصل من الكتاب تاريخ ومعتقدات عدد من الديانات الرئيسة في العالم، وهذا أمر مثير للاهتمام في حد ذاته. لكنني آمل أن يواصل الباحثون المهتمون بهذه الموضوعات دراسة اليقظة الذهنية واليوغا، وأن يدركوا أن هناك عشرات الممارسات والتقاليد الأخرى التي تستحق الدراسة أيضًا. كما آمل، وأتوقع، أن يبدأ علماء الأعصاب وعلماء النفس في السنوات المقبلة بدراسة طقوس وممارسات دينية أخرى.
ومع ذلك، إذا كان هناك أشخاص مثلي مفتونين بتنوع المقاربات التي يتبعها الناس في حياتهم، فهناك الكثير مما يمكننا أن نتعلمه من هذه التقاليد والممارسات. وقد يساعدنا ذلك على أن نكون أكثر تسامحًا وانفتاحًا تجاه الأديان والتقاليد المختلفة. ولذلك، نأمل أن يساعد هذا الكتاب الناس على فهم التقاليد الدينية وغير الدينية المختلفة بصورة أفضل، بل وأن يساعدهم أيضًا على اكتشاف بعض الطقوس والممارسات الموجودة أصلًا ضمن ديانتهم أو تقاليدهم الخاصة، لكنهم قد لا يكونون على دراية بها أو لم يسبق لهم أن تعرفوا إليها. فقد يكون بعض المسلمين، مثلًا، غير مطّلعين على بعض الممارسات الموجودة في تراثهم الديني، مثل التفكر والتدبر والذكر ومراقبة النفس، رغم أنها جزء من تقاليدهم الإسلامية. وقد يساعدهم التعرف إلى هذه الممارسات على فهم تقاليدهم الدينية بصورة أعمق، كما قد يكتشفون أن بعض هذه الممارسات تتشابه في جوانب معينة مع ممارسات موجودة في تقاليد دينية أخرى، مع اختلاف المعاني والأسس الدينية التي تقوم عليها.
[ملاحظة من المترجم: كان المثال في النص الأصلي متعلقًا بالمسيحيين، لكننا استبدلناه بمثال يناسب المسلمين، من خلال الإشارة إلى بعض الأعمال والممارسات الموجودة في تراثهم الإسلامي].
هل يمكنك أن تحدثنا عن بعض التقاليد الأخرى التي استعرضها الكتاب؟
من التقاليد المثيرة للاهتمام طقس الحداد المعروف باسم ‘شيفعا’ Shiva)) (3) الذي ورد في الفصل الخاص باليهودية. يعرف كثير من الناس هذا الطقس، لكن ما كان مؤثرًا جدًا هو معرفة كيف يقدّم المجتمع الدعم والمساندة لمن يمر بظروف صعبة ويشعر بالحزن على فقد شخص عزيز عليه. ويكشف هذا الطقس عن جوانب نفسية مهمة، ولا سيما تلك المرتبطة بالدعم الاجتماعي. ففي علم النفس، لا نُولي العوامل المجتمعية التي يمكن أن تسهم في دعم الصحة النفسية ما تستحقه أحيانًا من اهتمام.
ومن التقاليد الأخرى المثيرة للاهتمام ما كتبته ليا كومو (Leah Comeau) في فصل الهندوسية عن رسومات الكولام (Kolam)، وهي رسومات زخرفية جميلة تُرسم عند مداخل البيوت، وتحمل دلالات دينية وروحية، كما تُعد وسيلة للترحيب بالآخرين. وتُرسم هذه الأشكال باستخدام مسحوق الأرز، وقد ترمز إلى السعادة والنقاء، وتضيف لمسة من الجمال إلى المكان. كما أن رسم الكولام ممارسة متكررة تمنح الشخص فرصة للتعبير والإبداع، وتساعده على الشعور بأن ما يفعله له قيمة ومعنى، وأنه جزء من مجتمعه الذي يشاركه هذا التقليد.
يتعرض الكتاب أيضًا إلى طقوس الأياواسكا. ما العوامل التي تجعل الحديث عنها مميزًا بشكل خاص؟
هناك أيضًا وصف لطقوس الأياواسكا (4)، وهي طقوس تتضمن استخدام مشروب يحتوي على مركبات ذات تأثير مهلوس ونفسي. وما يجعل هذا الوصف لافتًا بشكل خاص هو ارتباطه بما يحدث حاليًا في مجال البحوث السريرية. فقد افتتحت جامعة جونز هوبكنز مركزًا لأبحاث المواد المخدرة والوعي (Psychedelic & Consciousness Research)، وأصبح هناك اهتمام علمي متزايد بدراسة هذه المواد ومعرفة إمكانات استخدامها في العلاج. ولذلك كان من اللافت أن يتناول أحد فصول الكتاب طقوس الشعوب الأصلية التي تستخدم هذه المواد، في الوقت الذي بدأت فيه مراكز علمية حديثة بدراستها في المجالات الطبية والعلاجية. وقد وجد مؤلفو الكتاب أن هذا التقاطع بين الطقوس التقليدية لدى الشعوب الأصلية والبحوث الطبية الحديثة أمر مثير للاهتمام ومدعاة للدهشة. [الجدير بالذكر هنا أن الوعي الوارد في الفقرة يعني قدرة المرء على الإدراك والشعور بما يحدث داخله وحوله].
هل تناول الكتاب جميع الأديان التي كنتم ترغبون في الحديث عنها؟
هذه ليست سوى خطوة أولى نحو توسيع هذا النقاش. فهناك مئات، بل آلاف، الطقوس والممارسات التي لم يتناولها الكتاب، وما ورد فيه ليس إلا عينة منها. كنت أتمنى أن نتمكن من تضمينها جميعًا، لكن الكتاب كان سيصبح طويلًا جدًا لو حاولنا ذلك.
ديفيد يادِن كان حينئذ طالب دكتوراه في السنة الرابعة في قسم علم النفس بكلية الآداب والعلوم في جامعة بنسلفانيا. وقد صدر كتابه الجديد، ‘الطقوس والممارسات في أديان العالم: دراسات عبر الثقافات لإثراء البحوث والسياقات السريرية’ (5)، عن دار سبرينغر في يناير 2020.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/يقظة_كاملة
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/إنسانية_(فلسفة)
3- https://ar.wikipedia.org/wiki/شيفا_(اليهودية)
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/آياهواسكا
5- https://link.springer.com/book/10.1007/978-3-030-27953-0
المصدر الرئيس
https://penntoday.upenn.edu/news/looking-back-collective-history-of-humanity-through-religious-rituals-practices



