أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولا 20| «وإن زنى وإن سرق؟»

محرر صُبرةالجمعة 18 سبتمبر 2026، 1:58 م
القرآن أولا 20| «وإن زنى وإن سرق؟»

الشيخ علي الفرج

وردت في بعض كتب الحديث روايات تجعل الولاية لأهل البيت عليهم السلام سببًا للنجاة من النار، حتى مع ارتكاب بعض الكبائر، كالزنا وأكل أموال الناس بالباطل، ومنه الربا.

وقد سمعتُ من عالم فاضل معروف – يُقال عنه أنه مجتهد – هذه الرواية في مقام تبشير المؤمنين بما ينتظرهم في يوم القيامة، وهي ما رواه المجلسي في بحار الأنوار، ج 65، ص 342، نقلًا عن كتابَي الروضة والفضائل لابن شاذان، بالإسناد يرفعه إلى صفوان الجمال، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقلت: جعلت فداك، سمعتك تقول: شيعتنا في الجنة، وفيهم أقوام مذنبون، يركبون الفواحش، ويأكلون أموال الناس، ويشربون الخمور، ويتمتعون في دنياهم. فقال عليه السلام: هم في الجنة. اعلم أن المؤمن من شيعتنا لا يخرج من الدنيا حتى يُبتلى بدين أو بسقم أو بفقر، فإن عُفي عن هذا كله شدد الله عليه في النزع عند خروج روحه حتى يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه…».

نقد الرواية بميزان القرآن

السؤال الأساس هنا هو: هل يجوز أن نحمل الرواية إذا أدى ذلك إلى إسقاط أصل قرآني محكم، أو إلى جعل الولاية والمحبة سببًا لإلغاء آثار المعاصي التي رتب القرآن عليها الوعيد؟

وهنا تظهر أهمية مرجعية القرآن؛ فإن القرآن هو الميزان الحاكم. وأصل ذلك أن أهل البيت عليهم السلام لا يقولون ما يخالف كتاب الله تعالى؛ فإذا وردت رواية يُتوهم من ظاهرها أنها تنقض أصلًا قرآنيًا، ولا ريب أن يتوقف في هذا الظاهر ولا يُنسب إلى أهل البيت عليهم السلام ما يخالف كتاب الله.

والذي يؤسف له أن كثيرًا من الروايات تُتلقى بالتسالم، ثم تُبنى عليها تصورات عقدية أو فقهية أو أخلاقية، من غير أن تُعرض أولًا على الآيات المحكمة. بينما المنهج الصحيح يقتضي أن يكون القرآن حاضرًا في قراءة الرواية، لا أن يكون غائبًا عنها.

أولًا: قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

فالآيتان تقرران أصلًا عامًا في الجزاء على العمل: الخير لا يضيع، والشر لا يُلغى من حيث أصل المسؤولية عنه.

ولا يعني ذلك أن كل سيئة لا يمكن أن تُغفر؛ فالقرآن نفسه أثبت التوبة والمغفرة والعفو. وإنما محل البحث هو إسقاط أثر المعصية للانتساب أو المحبة مع بقاء الإنسان مصرًّا عليها.

فالفرق كبير بين أن يقول القرآن: إن الله يغفر ويتجاوز ويتوب على من يشاء، وبين أن يُجعل الانتماء سببًا كافيًا لإلغاء آثار الذنب، بحيث يصبح ارتكاب الكبائر غير مؤثر في المصير الأخروي.

ثانيًا: في قوله (يركبون الفواحش)، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70].

فالآيات رتّبت الوعيد على الزاني، وذكرت له العذاب والخلود في النار، ثم استثنت من ذلك من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا.

فإذا وردت رواية يُفهم منها أن الزاني أو المعتدي على أموال الناس يكون مضمون النجاة، مع بقاء هذه المعاصي دون توبة، فلا يصح أخذ هذا الظاهر من الرواية وترك السياق القرآني الحاكم.

وقد وردت روايات أخرى بعبارات أشد وضوحًا في هذا المعنى، من قبيل السؤال عن المحب لأهل البيت (ع): «وإن زنى وإن سرق؟» فيأتي الجواب بالإثبات. ومثل هذه الروايات تحتاج إلى عرض على القرآن، لا إلى التسليم بظاهرها.

ثالثًا: إن محبة أهل البيت عليهم السلام وولايتهم من أعظم ما يُطلب من المؤمن، ولا نزاع في فضلها ومقامها، لكن الكلام في أمر آخر: هل الولاية تلغي المسؤولية عن العمل؟

القرآن لا يقدم الإنسان على أنه معفى من آثار عمله لمجرد انتسابه إلى جماعة مؤمنة. قال تعالى: ﴿وَكُلُّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ۝ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]. فالإنسان مسؤول عن عمله، وله كتاب يُعرض عليه، ويُحاسب على ما قدم، ولا يصح أن تتحول الولاية من طريق للهداية والعمل الصالح إلى حصانة تمنع ترتب آثار الذنب.

بل إن الروايات نفسها تشتمل على ما يؤكد أن الولاية ليست دعوى؛ فقد ورد في بعض النصوص: «إن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد». وهذا المعنى أقرب إلى الميزان القرآني؛ إذ يجعل الولاية طريقًا إلى العمل، لا بديلًا عن العمل.

رابعًا: ورد في الرواية السابقة: «ويأكلون أموال الناس». وهذا من أخطر ما فيها من جهة العرض على القرآن؛ لأن أكل أموال الناس بالباطل اعتداء على حقوق الآخرين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]. وقال تعالى في الربا وهو مصداق لأكل أموال الناس: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ … وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275].

والقرآن رتب على الربا وعيدًا شديدًا، وجعل من عاد الى الربا من أصحاب النار.

خامسًا: إن القرآن لا يجعل الانتماء إلى جماعة معيار النجاة بذاته، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32].

وقال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53].

فالقرآن يحذر من أن يتحول الانتماء إلى جماعة إلى حالة من الرضا المطلق بما عندها، بحيث يصبح الانتماء نفسه معيار الحق والنجاة. وهذا التحذير لا يختص بجماعة دون جماعة؛ فكل جماعة مطالبة بأن تعرض اعتقادها وعملها على كتاب الله.

والنتيجة:

أن المنهج الصحيح هو أن نثبت فضل الولاية بما أثبته القرآن، وأن نفهم الرواية في ضوء كتاب الله، فلا نجعل الرواية ناسخةً لآية، ولا مقيّدةً لأصل قرآني محكم من غير دليل من القرآن. فإذا تعارض ظاهر الرواية مع محكم الكتاب، كان القرآن هو الميزان، وكان الواجب ردّ الظاهر المخالف أو حمل الرواية على معنى يوافق كتاب الله تعالى.