أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ما أفلت من اليد.. أنقذته المحبرة

منة الله فتحيالإثنين 21 سبتمبر 2026، 3:23 م
ما أفلت من اليد.. أنقذته المحبرة

محمد المخرق

المسافةُ بين الحضور وبين الغياب زمنْ..

يصعب أن نقرأ هذه العبارة اليوم كما قرأها حسن السبع، أبو نزار، حين كتب شهرزاد في الولايات المتحدة سنة 1984. كان يتأمل غيابا يخصه، ويحاول أن يسترد باللغة طيفا أفلت من زمنه. مضت السنوات وتبدلت المواقع: صار الشاعر نفسه في جهة الغياب، وبقيت قصيدته في جهة الحضور.

وللوصول إلى هذه المفارقة، لا بد أن نعود إلى القصيدة من أولها، وأن نتبع الطريق الذي رسمته كلماتها. تبدأ شهرزاد من مكان غير متوقع لقصيدة حب:

(إنها اللغةُ العبقريةُ

عشٌّ دفيءٌ.. وطنْ).

قبل أن تظهر المرأة يظهر الكلام عنها، وقبل أن تتشكل ملامح المحبوبة تتشكل اللغة التي ستحتفظ بها. كأن السبع أدرك منذ البداية أن التجربة مهددة بالعبور، فاختار لها منذ السطر الأول مكانا أكثر بقاء: اللغة.

والصورة التي اختارها لهذا المكان لافتة. اللغة (عش)، ثم يصبح العش (وطنا). يتسع المكان الصغير حتى يحمل معنى المكان الأكبر، ثم يحدث العكس حين يجعل هذا الوطن:

(وطنٌ إنما من ثوانٍ قصارْ).

ينكمش الوطن إلى ثوان، وتتسع الثواني حتى تصبح وطنا. ومن هذه المفارقة تبدأ علاقة القصيدة بالزمن؛ فالقيمة هنا لا تقاس بطول ما حدث، وإنما بما تركه مروره من كثافة في النفس. لحظات قليلة تستطيع أن تحتل من الذاكرة ما لا تحتله سنوات.

لهذا تأتي العبارة:

(المسافةُ بين الحضور وبين الغياب زمنْ).

اختيار المسافة دقيق؛ فهي كلمة تنتمي في أصلها إلى المكان، لكن الشاعر يجعل وحدتها الزمن. لم يعد الحضور والغياب نقطتين تفصل بينهما الطرق، وإنما حالتين يعبر بينهما الزمن.

ثم يقول:

(الحضور زمنْ

والغياب زمنْ).

تتحول الثنائية التي تبدو بسيطة إلى تركيب أكثر قلقا. الحضور نفسه محكوم بالزمن، ولهذا يحمل منذ بدايته إمكانية الغياب. ما نملكه الآن سيمر، وما مر قد يعود في صورة أخرى.

وسط هذه الدائرة يمنح الشاعر طلعتها استثناءً:

(ولطلعتها زمنٌ خارجَ المفرداتْ).

هنا تبلغ اللغة أول حدودها. بدأ السبع القصيدة واثقا من (اللغة العبقرية)، ثم وجد أمام الحضور لحظة تقع (خارج المفردات). التجربة أوسع من العبارة في لحظة حدوثها، لكنها حين تنقضي لن تجد طريقا للعودة سوى العبارة نفسها.

ويمتلئ هذا الزمن الاستثنائي بالحركة والصور. النبتة تتمادى اخضرارا، والأريج يصير (جنونا بعيد المدى)، والصهيل يستفز الخيال، ثم تتكاثر الأمكنة والجهات حتى يقول:

(سوف تأتيك كلُّ المدائنِ

كلُّ الجهاتِ

وكلُّ البشرْ).

ويبلغ هذا الاتساع ذروته حين يصير المساء:

(ألفَ نهرٍ

ونايٍ.. ونافذةٍ.. وقمرْ)

هنا يبدو الحضور قادرا على توسيع العالم نفسه. لحظة واحدة تستدعي المدن والجهات والبشر، ومساء واحد يتكاثر إلى أنهار ونوافذ وأقمار. لكن هذا الامتلاء لا يستمر طويلا؛ فالقصيدة تبدأ، من هذه الذروة، حركة معاكسة نحو الانحسار.

يعود المساء بوصفه امتدادا قصيرا ثم يقذفك الوقت ثانية للعراء، ويأتي السؤال:

(كم تبقَّى من الوقت سيدتي؟

ليس في الوقتِ متّسعٌ للغناءْ).

الزمن الذي بدأ ثوانٍ قصارا يكشف الآن عن سلطته. وما بدا في أول القصيدة وطنا صغيرا للحضور يتحول إلى وقت يضيق حتى لا يعود فيه متسع للغناء.

ثم تتسارع حركة الفقد: تصبح النشوة عابرة، وتفرغ الكأس، وتفر القبرة، حتى تصل القصيدة إلى لحظتها الأكثر حدة:

(أفلتتْ من يديكَ كما يفلت الوهمُ..).

اليد تمسك ما هو حاضر ومحسوس، وما يفلت منها يدخل منطقة أخرى. هنا لا يعود الفقد فكرة انما يصبح حركة: شيء كان في متناول اليد ثم لم يعد فيها.

لكن القصيدة لا تتوقف عند اليد الفارغة:

(وها أنتَ تصطادها لحظةً.. لحظةً

وتؤلفها كِلْمةً.. كِلْمةً..

وتسائلُ عن طيفها الذاكرةْ).

في هذه الأسطر ينكشف جوهر شهرزاد. فالفعل اللافت ليس أنه يؤلف الكلمات.. لكنه يؤلفها هي. الضمير يعيدنا إلى الغائبة نفسها؛ كأن المرأة التي أفلتت من اليد يمكن أن يعاد جمعها في اللغة.

وهنا يحدث التحول الأهم في القصيدة.

كانت هناك لحظات؛ أصبحت كلمات. وكان هناك زمن معاش؛ أصبح نصا. وكان هناك حضور تراه العين وتمسه اليد؛ فأصبح طيفا تستحضره الذاكرة وتمنحه اللغة شكلا.

ولهذا تبدو الكتابة عند السبع أقرب إلى جمع بطيء لشظايا الزمن. لا يستعيد التجربة دفعة واحدة، وإنما يؤلفها كما يؤلف المرء شيئا تفرق أمامه: لحظة بعد لحظة، ثم كلمة بعد كلمة.

ويكتسب الطيف هنا دلالته الخاصة. فهو حضور وغياب في آن واحد؛ يظهر، لكنه لا يمنح نفسه كاملا. تستطيع الذاكرة أن تستحضره، وتعجز عن أن تعيده إلى مادته الأولى. وما تعجز الذاكرة عن إعادته كاملا تحاول الكتابة أن تحفظ أثره.

ومن هنا نفهم لماذا لا ينتهي مسار القصيدة عند الذاكرة، وإنما عند المحبرة:

(موحشٌ بردُ هذا المساءْ

فاطلبْ الدفءَ في المحبرةْ

اطلبْ الدفءَ في المحبرةْ).

عاد الدفء الذي ظهر في البداية.

كانت اللغة عشًّا دفيئا، وها هي المحبرة في النهاية تصبح موضع البحث عن الدفء. وبين الصورتين تكتمل دائرة القصيدة: ما بدأ باللغة عاد إليها. واللافت أن هذه العودة تأتي بعد حركة معاكسة قطعها النص كله. ففي ذروة الحضور اتسع العالم إلى كل المدائن و كل الجهات وكل البشر ، وصار المساء (ألف نهرٍ ونايٍ ونافذةٍ وقمر). ثم بدأ كل شيء في الانحسار: ضاق الوقت، وفرغت الكأس، وفرّت القبرة، وأفلتت المرأة من اليد.

كأن القصيدة تنتقل من عالم يفيض بالحضور إلى يد فارغة لا يبقى فيها سوى الكلمات.

لهذا تبدو المحبرة في النهاية آخر ما يصل إليه الشاعر بعد أن يستنفد الزمن إمكاناته. البرد في الخارج، والدفء في الكتابة. والغائب بعيد، لكن أثره يستطيع أن يقيم في النص.

وقد وصف حسن السبع شهرزاد بعد عقود بأنها محاولة لمقاومة النسيان. والقصيدة نفسها تكشف كيف تجري هذه المقاومة: لا بإيقاف الزمن، ولكن بتحويل ما يأخذه الزمن إلى كلمات.

وهنا تتغير قراءتنا لها اليوم.

فالقصيدة التي حاول فيها أبو نزار أن يحفظ طيفا من الغياب أصبحت هي نفسها تحفظ شيئا من طيفه. والعبارة التي كتبها:

(المسافةُ بين الحضور وبين الغياب زمنْ)

عبرت هي الأخرى زمنا طويلا حتى وصلت إلينا بمعنى لم يكن قارئها الأول مضطرا إلى سماعه.

كان أبو نزار آنذاك في جهة الحضور، وكانت شهرزاد في جهة الذاكرة. واليوم صار هو في جهة الذاكرة، وصرنا نحن نقرأ الكلمات من الضفة الأخرى. وهنا تتجاوز شهرزاد مناسبتها الأولى. فالقصيدة التي بدأت من تجربة حب أصبحت، بمرور الزمن، نصا عن قدرة اللغة على حمل أثر ما يغيب. لم تهزم الغياب؛ تركت فيه نافذة.

ولعل هذا ما يجعل العودة إلى:

(لحظةً.. لحظةً)

و(كِلْمةً.. كِلْمةً)

أكثر إيلاما وجمالا بعد رحيل صاحبها.

كان حسن السبع يؤلف بها حضور الغائبة، ونحن، بعد كل هذه السنوات، نفعل الشيء نفسه معه.

نقرأ كلمة، فتأتي ملامح. ونقرأ أخرى، فتأتي ذكرى. ونمضي في القصيدة حتى نشعر أن المسافة التي تحدث عنها قد قصرت قليلا. أفلتت أشياء كثيرة من اليد، لكن شيئا منها وقع في المحبرة. ولهذا، حين نعود إلى مطلع شهرزاد:

(إنها اللغةُ العبقريةُ

عشٌّ دفيءٌ.. وطنْ)

لا تبدو العبارة وصفا للغة وحدها. لقد أصبحت وصفا للمكان الذي بقي فيه الشاعر أيضا.

وفي ذكرى رحيلك يا أبا نزار، رحمك الله؛ كتبتَ يوما لتُنقذ من تحب من الغياب، ولم تكن تدري أن القصيدة كانت تدّخر لك شيئا من الحضور. أفلتت يدك من أيدينا، لكن شيئا منك بقي في المحبرة؛ نعود إليه كلما اشتد الغياب، فتعود إلينا.. كلمةً كلمة

(شهرزاد)

إنها اللغةُ العبقريةُ

عشٌّ دفيءٌ.. وطنْ

وطنٌ إنما من ثوانٍ قصارْ

الثواني تجدّد إيقاعَ رقصتها

كلما نثرت نجمةٌ أَلْقَ فضتها

في جبين المساء

المساء امتدادٌ قصيرُ المسافة..

المسافةُ بين الحضور وبين الغياب زمنْ

الحضور زمنْ

والغياب زمنْ

وَلِطلْعتها زمنٌ خارجَ المفرداتْ

فارمِ وجهَ الفلاةِ بها

نبتةٌ تتمادى.. تتيه اخضراراً إذا

شمسُ نوّار مسَّتْ مفاتنها

فالأريجُ جنونٌ بعيدُ المدى

زمنٌ إنّما من نَدَى

يستفزُّ خيالَكَ هذا الصهيلُ الجميلُ

فتغشى لياليها الألفَ

ترمي على صوتها الذكيِّ التَّعبْ

غابةٌ من جميلِ الكلامْ

أجملُ التيه تيهٌ يثير الخيالَ

إذا ما الزمان نَضَبْ

هَجَرَتكَ القوافي وها صوتُها

يعيدُ بناءَ القصيد على شفتيك

ويذكي جنونَ الطربْ

لا تسافر بعيداً

ولا تنتخبْ موطناً للسَّمرْ

سوف تأتيك كلُّ المدائنِ

كلُّ الجهاتِ

وكلُّ البشرْ

تتكاثر تلك الصّبيةُ حتى يصيرَ المساء

ألفَ نهرٍ

ونايٍ .. ونافذةٍ .. وقمرْ

للمساءِ على فمها نكْهةٌ

غير أن المساءَ امتدادٌ قصيرْ

قصةٌ.. قصتانْ..

ثم يقذفك الوقتُ ثانية للعراءْ

كم تبقَّى من الوقت سيدتي؟

ليس في الوقتِ متّسعٌ للغناءْ

لجنونكَ تعويذة أنْتَ تعرف أسرارَها

شهرزادكَ ليستْ ككلِّ النساءْ

إنَّ من عانقَ الشمسَ لا يرتضي بنصفِ

الحقيقةِ أو هامشٍ من ضياءْ

كلُّ شيء سواها مكابدةٌ وعناءْ

لم تكنْ ربَّةُ الحُسْنِ إلا كَلَمْحِ البصرْ

نشوةٌ عابرةْ

كأسكَ الآن فارغةٌ..

فرَّتْ القبّرةْ

أفلتتْ من يديكَ كما يفلت الوهمُ..

وها أنتَ تصطادها لحظةً .. لحظةً

وتؤلفها كِلْمةً .. كِلْمةً..

وتسائلُ عن طيفها الذاكرةْ

موحشٌ بردُ هذا المساءْ

فاطلبْ الدفءَ في المحبرةْ

اطلبْ الدفءَ في المحبرةْ