أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
اقتصاد

بين بقيق وشرق ـ غرب.. السعودية أسرع من التحديات

منة الله فتحيالثلاثاء 22 سبتمبر 2026، 5:16 م
بين بقيق وشرق ـ غرب.. السعودية أسرع من التحديات

متابعات: صُبرة

تسعة أيام فصلت بين توقف خط أنابيب «شرق ـ غرب» وعودة النفط إلى التدفق فيه، في تجربة سعودية جديدة لاستعادة منشآت الطاقة بعد الاعتداءات. الأيام التسعة تستحضر ما فعلته أرامكو السعودية قبل 7 سنوات في بقيق وخريص، عندما أعادت مستوى إنتاجها السابق للهجوم خلال 11 يوماً.

واليوم الثلاثاء، 22 سبتمبر، أفادت وكالة رويترز، نقلاً عن 3 مصادر مطلعة، بأن السعودية أعادت تشغيل خط «شرق ـ غرب»، وبدأ النفط يتدفق فيه بمعدل منخفض، بعد توقفه في 13 سبتمبر إثر هجمات بطائرات مسيّرة، قادمة من العراق.

وبذلك وصلت عملية الاستعادة إلى مرحلة إعادة الضخ خلال 9 أيام، فيما تعمل أرامكو على رفع التدفق تدريجياً، وصولاً إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً، وهو الحجم الذي كان يُنقل عبر الخط قبل توقفه. ونقلت رويترز عن مصدر أمني أن الوصول إلى التشغيل الكامل قد يستغرق أسابيع.

وهذه العودة الجزئية تعطي مؤشراً مبكراً على سرعة الاستجابة، فيما تتواصل أعمال الإصلاح واستعادة كامل القدرة التشغيلية.

توقعات بـ6 أسابيع

تكتسب سرعة العودة أهمية إضافية عند مقارنتها بالتقديرات التي ظهرت في الأيام الأولى للاعتداء. فقد تحدثت مصادر في سوق النفط عن حاجة أعمال الإصلاح إلى نحو 5 أو 6 أسابيع، فيما رجحت تقديرات أخرى إمكان استئناف الضخ جزئياً في وقت أقرب.

وفي 18 سبتمبر، نقلت رويترز عن تقرير لوكالة بلومبرغ أن الاعتداء ألحق أضراراً بـ3 محطات ضخ، وأن العمل يستهدف إعادة التشغيل الجزئي خلال أيام، ثم الوصول إلى الطاقة الكاملة خلال نحو 6 أسابيع.

وبحلول اليوم التاسع، دخل الخط بالفعل مرحلة التشغيل الجزئي.

4 ملايين برميل

يحمل «شرق ـ غرب» أهمية تتجاوز كونه خطاً داخلياً لنقل النفط؛ إذ يمثل ممراً استراتيجياً ينقل الخام من حقول شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، ويمنح الصادرات السعودية منفذاً آخر بعيداً عن الخليج ومضيق هرمز.

وخلال الاضطرابات الأخيرة، كان الخط ينقل نحو 4 ملايين برميل يومياً إلى ينبع، أي ما يقارب 4% من الإمدادات النفطية العالمية، بحسب رويترز. وأدى توقفه إلى تعطل تحميل الخام عبر ينبع وإعادة ترتيب جزء من حركة الصادرات السعودية.

وتحركت أرامكو عبر المسار الشرقي بالتوازي مع أعمال الإصلاح. وأظهرت بيانات تتبع الناقلات التي أوردتها رويترز أن الشركة حمّلت الأحد نحو 14 مليون برميل على متن 7 ناقلات عملاقة في الخليج، ضمن زيادة الشحنات من الموانئ الشرقية.

ومع عودة التدفق في «شرق ـ غرب»، تتجه أرامكو أيضاً إلى إعادة إمداد المصافي على ساحل البحر الأحمر، فيما أفاد أحد مصادر رويترز بأن شحنة من ينبع كانت مقررة للتحميل اليوم ومتجهة إلى الصين.

تجربة سبقتها بقيق

قبل 7 سنوات واجهت المملكة اختباراً ضخماً في منشآت بقيق وخريص. ففي 14 سبتمبر 2019 استهدفت هجمات المنشأتين، وأخرجت مؤقتاً 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج، بما يعادل نحو 54% من إنتاج أرامكو آنذاك ونحو 5% من إمدادات النفط العالمية.

وبدأت عملية الاستعادة منذ الساعات الأولى. ففي خريص عاد إنتاج 320 ألف برميل يومياً خلال 24 ساعة، فيما استعادت بقيق جزءاً من قدرتها خلال 48 ساعة، ثم ارتفع إنتاجها إلى نحو مليوني برميل يومياً بالتزامن مع استمرار أعمال الإصلاح.

واستخدمت أرامكو مخزوناتها النفطية، ورفعت الإنتاج من حقول أخرى، وعدّلت درجات الخام المسلّمة لبعض العملاء، بينما تحولت المواقع المتضررة إلى ورش تعمل على مدار الساعة.

وفي 25 سبتمبر استعادت أرامكو مستوى إنتاجها السابق للهجوم. وكان قد مضى 11 يوماً على اعتداء بقيق وخريص.

6000 عامل في بقيق

تكشف تفاصيل تجربة 2019 أن السرعة ارتبطت بحشد صناعي ولوجستي واسع. ففي الظروف الاعتيادية كان نحو 112 عاملاً يعملون في الوردية الواحدة في بقيق، وبعد الاعتداء ارتفع عدد العاملين المشاركين في عملية الاستعادة إلى نحو 6000 عامل.

وخلال أول 24 ساعة وصل إلى المواقع نحو 2000 عامل من شركات المقاولات، وبدأ الموردون والمصانع في توفير المواد وقطع الغيار المطلوبة.

وامتدت ورشة الإصلاح إلى مدن أخرى في المنطقة الشرقية؛ فصُنّع الفولاذ المطلوب لإصلاح أبراج تثبيت النفط في الخبر، وأُصلحت أجهزة إعادة التسخين المتضررة في خريص داخل الدمام، وشُكلت الصفائح الفولاذية اللازمة لترقيع الخزانات الكروية في الجبيل.

وفي الوقت نفسه تحركت عمليات شراء وشحن المعدات من الولايات المتحدة وأوروبا، ليعمل التصنيع المحلي والتوريد الخارجي في مسارين متوازيين.

ووصل حجم التعبئة لدى أحد المقاولين إلى نحو 4000 عامل دفع بهم إلى موقع بقيق للمشاركة في الأعمال، في صورة تعكس حجم العملية التي جرت خلف أرقام عودة الإنتاج.

11 يوماً.. ثم 9

تقدم التجربتان رقمين لافتين، مع اختلاف المرحلة التي يقيسها كل منهما. ففي بقيق وخريص 2019 استعادت أرامكو مستوى إنتاجها السابق للهجوم خلال 11 يوماً، فيما وصل شرق ـ غرب 2026 إلى استئناف الضخ بمعدل منخفض خلال 9 أيام، وتستمر الأعمال لرفع التدفق واستعادة كامل القدرة التشغيلية.

كما تختلف طبيعة المنشآت في التجربتين؛ بقيق منشأة ضخمة لمعالجة النفط وتثبيته، وخريص حقل ومنشآت إنتاج، بينما يمثل «شرق ـ غرب» منظومة نقل تضم خط أنابيب ومحطات ضخ. ويمنح هذا الاختلاف الرقمين دلالتهما الأساسية بوصفهما مؤشرين إلى سرعة استعادة الوظيفة التشغيلية بعد الاعتداء.

درس بقيق

تظهر تجربة بقيق أن أرامكو اعتمدت مبدأ إعادة أجزاء المنشأة إلى العمل بالتزامن مع استمرار إصلاح الأجزاء الأخرى، مستفيدة من المخزون والحقول البديلة وشبكة الموردين والمقاولين والتصنيع المحلي.

وفي «شرق ـ غرب» ظهرت الملامح ذاتها بصورة مختلفة؛ فتحركت صادرات إضافية عبر موانئ الخليج أثناء توقف المسار الغربي، واستمرت أعمال إصلاح محطات الضخ، ثم بدأ النفط يتدفق مجدداً في الخط في اليوم التاسع، فيما تتواصل عملية رفع قدرته.

وبذلك تتجاوز التجربتان مفهوم إصلاح المعدات إلى مفهوم أوسع هو استمرارية منظومة الطاقة أثناء الإصلاح؛ ففي بقيق استمرت إمدادات العملاء عبر المخزون والبدائل بالتزامن مع استعادة الإنتاج، وفي أزمة «شرق ـ غرب» تحركت الصادرات عبر الخليج بالتزامن مع العمل على إعادة طريق ينبع.

رسالة إلى السوق

انعكست سرعة الاستعادة في التجربتين على أسواق النفط العالمية. ففي 2019 سجلت أسعار النفط قفزة كبيرة عقب هجوم بقيق وخريص، ثم تراجعت حدة المخاوف مع توالي أخبار استعادة الإنتاج.

واليوم، ربطت رويترز بين عودة «شرق ـ غرب» وزيادة الضغوط على أسعار النفط، مع عوامل أخرى تتعلق بإمدادات الخليج وتطورات المنطقة، في مؤشر إلى الأهمية التي تحملها عودة الخط بالنسبة إلى السوق العالمية.

وبين التجربتين 7 سنوات: في الأولى خرج 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج، واستعادت أرامكو مستوى إنتاجها السابق خلال 11 يوماً؛ وفي الثانية توقف مسار كان ينقل نحو 4 ملايين برميل يومياً، وعاد الضخ الأولي فيه خلال 9 أيام.

من بقيق إلى «شرق ـ غرب»، تغيرت المنشأة واختلف حجم الضرر وطبيعته، وبقيت التجربة السعودية قائمة على معادلة واحدة: إعادة النفط إلى الحركة سريعاً، وتشغيل البدائل، وحشد الإمكانات الصناعية واللوجستية، واستكمال الإصلاح بالتوازي مع استعادة الوظيفة.

وبعد بقيق بـ7 سنوات، أعاد «شرق ـ غرب» اختبار قدرة المملكة على مواجهة أثر الاعتداءات على منشآت الطاقة؛ وجاءت أولى النتائج هذه المرة في اليوم التاسع.