الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الهوية بين المنظور والمنهج

صُبرةالأحد 27 سبتمبر 2026، 9:30 ص
الهوية بين المنظور والمنهج

الشيخ جعفر علي الغنام

تعقيباً على مقال “هل تبقى هويتك كما هي طوال حياتك؟”

تتقدم بعض الدراسات خطوات باتجاه تحرير الهوية وتبيانها متجاوزة الكثير من العقبات الحقيقية المتمثلة في أسئلة أو إجابات قد يفرضها المنظورالكلي أو المنهج البحثي بنحو قد يكون تعاطيها بصورة قبلية معيقا لتلك الدراسات في تقدمها ولعل من أبرز الأسئلة المنهجية البحث حول ذاتية الهوية واكتسابها فهل الهوية مقولة ثابتة أم هي أمر مكتسب قابل للتبدل والتغير بل والتفاوت على نحو التفاضل فإذا عدنا إلى بعض المدارس المادية ستكون الهوية مختزلة في جيناتنا وهنا ستتسم الهوية بالثبات المطلق بينما تفترض بعض المدارس المادية أن الهوية مكتسبة ونحن من نقوم بتشكيلها ضمن سلسلة من المعارف والذكريات وهنا تتحد هاتان النظريتان – الذاتية والمكتسبة – بكونهما مخرجات للرؤية المادية ولهذا تتعقد الإجابات وتصبح الإجابة مشوشة في حالة التماثل الجيني لدى التوائم بالنسبة للمنهج القائل بثبات الهوية وذاتيتها بينما يتشوش نموذج الهوية المكتسبة في مثل حالة الأمراض العقلية الطارئة كالجنون والازهايمر ففي كلا المنهجين تبقى الهوية أو تصمد كمقولة يشار إليها بلا تردد ففي مثال التوائم هناك هويتان لكل واحد منهما هويته المستقلة فكيف يكون ذلك رغم التماثل الجيني؟! وفي مثال المرضى العقليين تبقى الهوية قابلة للإشارة إليها حتى بعد فقد الذاكرة بصورة كلية بل حتى في حالات الموت السريري وتوقف الدماغ فإن عدم شعورالميت سريريا بأناه –إن كان فعلا لا يشعر- لا يلغي ثبات هويته عند الآخر أو ما يمكن أن نسميه بالمراقب الخارجي وربما يتضح هذا الإرباك أكثر في مقولة هيجل حول معرفة الأنا وأنها متوقفة على الآخر وهي صدى ما أثارته المدرسة اليونانية في تحديد من هو اليوناني فهل ثمة مقوم ذاتي مائز يكون به اليوناني يونانيا أم أن اليونانية لا تعرف إلا من خلال الآخر أي لا يكون الشخص يونانيا إلا مقابل غير اليوناني فالعلاقة بالهوية تتفرع وتنبت من مقولة الضد فالأبيض لن يكون أبيضا ما لم يكن هناك ضد له فبضدها تتميز الأشياء كما يقال

ولعلنا لا نستطيع التوقف بسهولة إن تابعنا استقصاء الصورة المرتبكة التي اختطتها الكثير من مناهج البحث العلمي في مقام تحديد الهوية فقد أدلى كل من الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء البيولوجيا وعلماء الفسيولوجيا بل وحتى علماء الانثروبولجيا بدلائهم في قعر بئر الهوية لكن أحدا لم يقدم مقولة غير مرتبكة والسر في ذلك يبتني على تحديد مفهوم الهوية فإذا لم تعامل الهوية كمقولة مائزة ومفرّدة لللإنسان عن غيره من شركائه المتقاطعين معه بيولوجيا وفسيولوجيا فإننا سنجد انطباق الهوية على كثير ممن نتقاسم معهم هذه الحياة من غير الجنس البشري وبتعبير أكثر شفافية لا يمكن اشتقاق الهوية أو تحديدها بعيدا عن نظرية المعنى التي بها تتحدد إنسانية الإنسان فإذا أوجدنا ما يكون به الإنسان إنسانا فقد أوجدنا هويته المائزة له عن غيره وهنا عدة اتجاهات قادتها عدة مدارس وضعية كانت أو غير وضعية وفي أكثر من فرع بحثي ففي علم المنطق مثلا اعتبرت القدرة على التفكير المنطقي هي الفارق الجوهري فإذا تم إيضاح هذه الخاصية وشرح معناها فقد تم إيضاح الهوية.

وهذا التعريف المنطقي قد يبدو مناسبا لكنه يثير عقبة الهوية المشككة بحسب اصطلاح المناطقة أو ما يمكن أن نسميه بالهوية التفاضلية المتدرجة من أدنى أشكال التفكير إلى أعلاها بل أن مشكلة المصابين عقليا منذ الولادة أو من يعانون من حالات ضمور المخ قد يخرجون من دائرة المناطقة كأفراد وإن دخلوا كجنس بمعنى أن المناطقة يشتقون الهوية على أساس من له أهلية التفكير عادة وهذا التصويب المنطقي ليس حلا فإن المصاب منذ الولادة لا أهلية له كفرد وإن كان كجنس بشري يفترض ان تكون له هذه الأهلية وتبقى الهوية التفاضلية عقبة حقيقية أمام المناطقة فأدنى حالات التفكير قد نجدها في بعض الحيوانات وحينئذٍ يبقى السؤال قائما عن معنى الإنسان وهنا تبرز النظرية الروحية بكل مدارسها ومذاهبها المختلفة وضمن كل الديانات فترى أن المائز الحقيقي للإنسان يكمن في قدرته على صناعة المعنى وإدراك الغاية حيث يرى أرباب هذا الاتجاه أن الحياة تعاش بطريقتين لا ثالث لهما فالطريقة الأولى تأتي من الخارج إلى الداخل فلا قوام للمعنى إلا بمقدار المكتسبات وتعتبر التعابير المادية وحالة السوق أوضح تجليات هذه الطريقة بينما تقوم الطريقة الثانية على صناعة المعنى من الداخل وإضفائه على الخارج فالجمال والحب لاوجود لهما خارجا وإنما هو فيض داخلي وإن شئت فقل أنه رؤية تضفي على الخارج معناه فتكسبه الجمال والحب وسائر المواصفات فالهوية التي يتفرد بها الإنسان هي هذه القدرة على صناعة المعنى وإدراكه والذي يكسب وجوده غاية وهدفية لا يمكن أن يتشاركها معه غيره ولأن المكتسبات المعرفية متفاوتة بين بني البشر وهي على صلة وثيقة جدا في تكوين المعنى نجد أن حالة التفاضل في الهوية مبرر جدا بل أن محاولة اشتقاق أو نحت الهوية من خلال أبعاد مادية يمكن تبريره على ضوء هذا التيار الروحي القائل بالتفاضل حيث يرى أنصار هذا التيار أن الميل إلى اشتقاق الهوية من بعد مادي مصدره الانحياز للطريقة الأولى المبنية على اقتناص المعنى من الخارج وتحييد الروح ومنهجيتها في بناء المعنى من الداخل

وختاما ترى المدرسة الإسلامية أن الإنسان يولد ولديه استعداد حقيقي لصناعة المعنى وهذا الاستعداد تسميه المدرسة الإسلامية بالفطرة فالمدرسة الإسلامية ترى أن هذه الفطرة غير قابلة للمحو بل ولا للتشويه كقيمة وكمفهوم مخمر في طينة الإنسان وخلقته وإنما يحدث الإخلال بالمصاديق الخارجية فتوهب جمالا لا تستحقه أو حبا لا تستحقه ومتى ما عاد الإنسان إلى الطريقة السوية عادت منابع الفطرة للتدفق وصناعة المعنى فالشعور بالأنا يتوقف على الاقتدار الحقيقي على صناعة المعنى واضفائه على الحياة وهذا ما لا يمكن أن يتشاركه الإنسان العاقل بما هو عاقل ولا الكائن البيولوجي بما هو كائن بيولوجي وإنما هو حكر على الكائن الروحي أو الكائن الفطري.

ـــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ المقال:

هل تبقى هويتك كما هي طوال حياتك؟