أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القلعة الجاذبة وبيوتها الميسورة

منة الله فتحيالإثنين 28 سبتمبر 2026، 9:30 ص
القلعة الجاذبة وبيوتها الميسورة

حسن دعبل

أن تحمل اسم المكان؛ تُعيد لروحه الحياة، والإحياء أبعد من الحنين.

للقلعة عنان أكبر من أبراجها، وأقفال أتراج أغلق من دراويزها.

الأبراج والدراويز تُنسى، لكنها تُستذكر في الكتابة إن خُطّت في الأوراق. لكن أمكنتها باقية في الوجدان وإن زال الأثر. أهلها تناثروا وابتعدوا في أمكنةٍ مُتفرقة، وبيوتات متباعدة، لا تحمل منهم غير أسماءهم وسيرة من رحل وابتعد.

للقلعة أسرار، ولبيوتها مسرات وأوجاع، وذاكرة مُسيّجة بمن سكنها، ووشائج الدم والقربى، ومن جاورهم من البعيد. وللتمدن شمسه ونوافذه العليا، تباغتك حسرة.

تلك هي القلعة الغامضة بأسرارها، ومدنيتها ووجوه الناس. الصورة لا يدركها من ينام داخل دور بيوتها، أو يتفيأ بساباطها، أو شوارع بيوتها الضيقة.

تضلّل البيوت أهلها من القيظ والشمس، وزمهرير الشتاء والمطر. فتصبغهم بسحنة مُنتقاة متنعمة.

تلك هي الصورة المرسومة، لمن لم يسكنها، أو مرّ مرارًا على بيوتها، مُسترقًا النظرة المُتعففة، ومُستلذًا بنفحة ونسمة من التمدن المسلوب خارج سورها.

صورة نمطية مُنحت من خارج السور والأبراج والدراويز، لتتوزع الناس وبيوتاتها بين أربعة أمكنةٍ مُسمّاة:

الخان، الوارش، لِزريب والسدرة.

لكل مكان واسم صفة ومعنى، وذاكرة. وما حُمّلت من أوزار وأنفاس مُتعددة؛ وإن تعددت بها الوجوه من الأغراب، قبل أن تتنعم حروف المفردات في نطق الألسنة. من يكتب من البعيد تحتار به الدراويز في دخولها؛ والدراويز تلك غائبة إلا بمن حملته ذاكرته بالأسى قبل الحنين.

ألم نقل إنها أسرار البيوت الميسورة والجاذبة؟

الصورة غائبة لمن يكتب من خارج السور. والسور لم يُبنَ من الحصاة أو الفروش البحرية، وجذوع النخيل. السور هو الناس، والبيوت والحياة التي اختلطت بها الألسن ولهجت؛ تقاربت وتصاهرت، فاختلطت الدماء وتلاقحت السلالات بالقربى.

سحنات رُسمت على الجباه.

الدولاب دار بأزمانه، والشارح يستعيد السنوات ويستحضر الأوقات منها بذاكرةٍ مُتقدة، شارحًا أبسط الأشياء المصفوفة من تقنيات البيوت. دسمال فُرش على صندوق “الساي” الهندي، المعتّق بصبغته ونجوم دُسر حائلة. المقتنيات شارحة لحيوات مُعاشة في بيوتها، حتى وإن رُميت بجانبها مقتنيات عابرة وعتيقة.

السقف الذي صُفّ بچندل وباسچيل، وفُرش ببارية يصعب نطقها لمن لم يعشها، وبأيدٍ ماهرة وعين صاحبها الثاقبة. أيضًا وضع الدسمال بطريقة لم يحسبها صاحب السدرة، وهو يغطي باب حمام النساء، كما كُتب بدسمال أحمر يحمل روائح خنينة لمواليد أعراس، ودموع القرايات. ذاك هو الدسمال الأحمر الموسوم بملايات وفتيات حملنه بتعزاز العذارى مُقبلات.

أما الدور الثاني فبه من الخصوصية ما يصعب شرحه لكائنٍ بحري، يدخل مُتأخرًا ومتطفلًا في الكتابة على أمكنةٍ لم ينعم بدخول ساباطها قبل البيوت.

فشارحي هو سليل البيوت العليا من أهلها؛ يُقرّب الصورة باستذكاره ويستعيد النوافذ الكبيرة أو الرواشين في البيوت المفتوحة على دورٍ تحتية، لخصوصية أمكنتها؛ والسقف أيضًا علّق كما بُني عليه الدور الأول؛ وإن عُلّقت على جدرانه المليّسة بعناية لوحات، حسبها صاحب المكان رسمًا أبعد من صور الحنين.

أما الدور العلوي، فقد أسماه شارحي: الخلوة. والخلوة في المعنى حمّالة أوجه في الشرح والمعايشة قبل النطق. حتى وإن قرّبناها خلوة أهل البيت ونومتهم في القيظ. الخلوة هو المكان العلوي على السطح والمزيّن بسماوات النجوم. والخلوة في تلك الأوقات البعيدة لبيوت أهل السور، هو الصفاء والتأمل وأمنيات العشاق بمدنيته الصافية، والقلوب الخافقة.

المكان الذي باغتناه صدفة جاذب في أوله بالمعنى الذي حمل اسم مكانه: السّدرة التي يبست.

فبُني عليها مطعم لم يُخلّدها إلا بصبغة البيت الذي غابت روائح طبيخه، وصحون صينية فرفورة لامعة، فرغت منها تلك الأطعمة الميسورة، ولم تُطبخ وتُكتب في قائمة الطعام أو بقايا المواعين.