دارين وتاروت في قلب الحدث التنموي

القطيف: صُبرة
وضعت 48 ساعة جزيرة دارين وتاروت في قلب المشهد التنموي في المنطقة الشرقية؛ بحزمة تحركات جمعت التطوير العمراني والاستثمار والسياحة والآثار والبيئة وجودة الحياة، بعد نحو 4 سنوات من اعتماد التوجه التنموي للجزيرة وإنشاء مؤسسة خاصة بتطويرها.
وخلال يومين، اعتُمد مخطط «مسك تاروت» على مساحة تقارب 5 ملايين متر مربع، وعُرضت أعمال المؤسسة ومشروعاتها وبرامجها المستقبلية على نائب أمير الشرقية، ثم اجتمع مجلس إدارتها لبحث مشروعات ودراسات تستهدف رفع تنافسية الجزيرة ودعم اقتصادها وتحويل مقوماتها التاريخية والبيئية إلى عناصر في مسارها التنموي.
يومان.. وملفات بالجملة
بدأ الحراك أمس الثلاثاء، باستقبال نائب أمير المنطقة الشرقية رئيس مجلس إدارة مؤسسة تطوير جزيرة دارين وتاروت الأمير سعود بن بندر بن عبدالعزيز، الرئيس التنفيذي للمؤسسة المهندس أحمد البدر، واطلاعه على أعمال المؤسسة وخططها ومشروعاتها وما أُنجز في عدد من مسارات تطوير الجزيرة، إلى جانب الأعمال والبرامج المستقبلية.
وفي اليوم نفسه، أُعلن اعتماد مخطط «مسك تاروت»، الذي يمثل أكبر مساحة متاحة للتطوير العمراني في الجزيرة، بمساحة تقارب 5 ملايين متر مربع، لتلبية احتياجات سكنية وخدمية وتهيئة فرص استثمارية جديدة.
وأكد أمير المنطقة الشرقية رئيس مجلس هيئة تطوير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن نايف أن اعتماد المخطط يمثل مرحلة متقدمة في مسار تطوير الجزيرة، ويفتح المجال أمام مشروعات تتكامل فيها الجوانب الاقتصادية والعمرانية والبيئية.
واليوم الأربعاء، ترأس نائب أمير الشرقية الاجتماع الثالث لمجلس إدارة مؤسسة تطوير جزيرة دارين وتاروت لعام 2026، واستعرض المجلس المشروعات والدراسات الجاري العمل عليها، وبحث رفع تنافسية الجزيرة وجودة الحياة ودعم الناتج المحلي وإيجاد فرص العمل والحفاظ على المواقع البيئية والتاريخية.

الصورة أكبر من «مسك»
وعلى الرغم من الثقل الذي يمثله «مسك تاروت» بحجمه، فإن أحداث اليومين ترسم صورة أوسع من مشروع عقاري واحد؛ فالتطوير العمراني والاستثمار ظهرا في المخطط، والسياحة والاقتصاد وجودة الحياة حضرت في اجتماع مجلس المؤسسة، بينما دخل التاريخ والآثار إلى المشهد من خلال نتائج الموسمين الأخيرين للتنقيب الأثري.
وهذه المسارات تعيد تجميع المكونات التي قام عليها التوجه التنموي للجزيرة منذ اعتماده في نوفمبر 2022، عندما أُنشئت مؤسسة تطوير جزيرة دارين وتاروت بميزانية تقديرية بلغت 2.644 مليار ريال، وأكثر من 19 مبادرة.
وتبلغ مساحة الجزيرة نحو 32 كيلومتراً مربعاً، فيما قام توجهها التنموي على استثمار إرثها التاريخي والثقافي ومقوماتها البيئية والطبيعية، وربط ذلك بجودة الحياة والاقتصاد السياحي.
ووضع التوجه مستهدفات تصل إلى عام 2030، من بينها استقطاب 1.36 مليون سائح، والمساهمة في الناتج المحلي بمتوسط يصل إلى 297 مليون ريال سنوياً، إلى جانب توفير فرص العمل وتحريك الاقتصاد المحلي.

5 ملايين متر
وسط هذه الصورة يأتي «مسك تاروت» بثقل عمراني يصعب فصله عن مستقبل الجزيرة؛ فمساحته التي تقارب 5 ملايين متر مربع تعادل نحو سدس مساحة دارين وتاروت، ما يجعل استعمالات هذه الأرض وطريقة تطويرها جزءاً مؤثراً في اتجاه التوسع العمراني للجزيرة خلال السنوات المقبلة.
ويحمل المخطط المطور الرقم 671، وعملت هيئة تطوير المنطقة الشرقية بالتعاون مع مؤسسة تطوير جزيرة دارين وتاروت وشركة السيف العقارية على وضع رؤيته بما يتوافق مع التوجه التنموي المعتمد للجزيرة.
وتتجاوز آثار مشروع بهذا الحجم حدود عدد الأراضي أو الوحدات التي يمكن أن يضيفها إلى السوق؛ إذ ترتبط به الطرق والخدمات والمرافق والحركة السكانية والتجارية، فضلاً عن علاقته بالنسيج العمراني القائم والمواقع البيئية والتاريخية المحيطة به.

أقل من 1٪
لكن رقماً ورد في تفاصيل المخطط يفتح باباً يستحق التوقف عنده؛ فقد أشارت هيئة تطوير المنطقة الشرقية إلى تخصيص 31.4 ألف متر مربع للمسطحات الخضراء والمرافق الرياضية والخدمية، من إجمالي مساحة تقارب 5 ملايين متر مربع.
حسابياً، تمثل هذه المساحة نحو 0.63٪ من مساحة المخطط، أي أقل من 1٪، وتعادل تقريباً مساحة 52 قطعة أرض إذا افترضنا مساحة 600 متر مربع للقطعة.
والرقم المعلن يجمع المسطحات الخضراء والمرافق الرياضية والخدمية في مساحة واحدة، ولذلك فإن حصة المسطحات الخضراء وحدها تقع داخل هذه المساحة الإجمالية.
وهنا يبرز سؤال التخطيط وجودة الحياة: ما المساحة الفعلية المخصصة للخضرة والحدائق والفضاءات المفتوحة في «مسك تاروت»؟
وتزداد أهمية السؤال بالنظر إلى أن التوجه التنموي العام للجزيرة وضع البيئة والطبيعة ضمن مكوناته الرئيسة، واستهدف تخصيص ما يصل إلى 48٪ من مساحة الجزيرة للساحات والحدائق العامة والواجهات البحرية والطرق والمرافق.
وتختلف مكونات النسبتين؛ فالـ48٪ تضم طيفاً واسعاً من الاستعمالات بينها الطرق والمرافق والواجهات، كما أن الـ0.63٪ في «مسك» تجمع الخضرة مع مرافق رياضية وخدمية. ووضع الرقمين في سياقهما يبرز الحاجة إلى معرفة التوزيع التفصيلي لاستعمالات أكبر مخطط عمراني في الجزيرة، ومدى حضور المساحات المفتوحة والخضراء داخله.

4500 سنة على الطاولة
وبالتوازي مع الحديث عن مستقبل الأرض، حضر ماضي الجزيرة في اجتماع اليوم، بعدما اطلع نائب أمير الشرقية على معرض للقطع الأثرية المكتشفة خلال الموسمين الأخيرين للتنقيب الذي نفذته هيئة التراث.
وتمتد الفترات الزمنية التي تنتمي إليها القطع من منتصف الألف الثالث قبل الميلاد إلى الفترات الإسلامية المبكرة، بما يضع أمام مخططي التنمية إرثاً حضارياً يصل عمره إلى نحو 4500 سنة.
وهذا الإرث يدخل مباشرة في المسار الاقتصادي والسياحي الذي تعمل عليه المؤسسة؛ إذ أوضح رئيسها التنفيذي أحمد البدر أن المشروعات والدراسات الجاري تنفيذها بالتعاون مع الجهات التنموية تستهدف جعل الجزيرة وجهة سياحية وإيجاد تجربة زائر تعتمد على الاستفادة من المواقع التاريخية والبيئية.

من الخطط إلى الأرض
بعد 4 سنوات من اعتماد التوجه التنموي، تجمع أحداث اليومين ملفات الجزيرة في مشهد واحد: العمران والاستثمار، السياحة، البيئة، الآثار، جودة الحياة، الوظائف والاقتصاد.
ويتركز الاختبار المقبل في انتقال هذه العناوين من الخطط والدراسات والمخططات المعتمدة إلى الأرض؛ في الطرق والمرافق والمساحات العامة والمشروعات السياحية، وفي طريقة التعامل مع المواقع التاريخية والبيئية، وفي شكل الأحياء الجديدة التي ستضاف إلى جزيرة تحمل فوق مساحتها المحدودة طبقات من العمران والتاريخ والطبيعة.
وبين 2.644 مليار ريال للتوجه التنموي، و5 ملايين متر مربع في «مسك تاروت»، ومستهدف 1.36 مليون سائح، وآثار تمتد إلى نحو 4500 سنة؛ أصبحت دارين وتاروت في قلب حدث تنموي متعدد المسارات، فيما ستحدد التفاصيل والتنفيذ على الأرض شكل الجزيرة التي ستخرج من هذه المرحلة.



