أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولًا 21 | الشطرنج وألعاب القمار

منة الله فتحيالجمعة 2 أكتوبر 2026، 4:27 م
القرآن أولًا 21 | الشطرنج وألعاب القمار

الشيخ علي الفرج

قبل الدخول في البحث، لا بد من تحرير المراد بالمصطلحين الفقهيين: المقامرة والمراهنة، وبيان الفرق بينهما.

فالمقامرة هي المخاطرة بالمال أو العِوَض بين أطراف اللعبة، على نحو يكون فيه غُنم أحدهم في مقابل غُرم الآخر؛ فيربح أحدهم المال الذي يخسره الآخر، كما في أن يدفع لاعبان مبلغًا من المال، فيأخذ الفائز مجموع المبلغين، أو أن يتراهن فريقان في لعبة على مبلغ، فيكون ما يربحه أحدهما هو عين ما يخسره الآخر. وهذا هو المعنى الأقرب إلى عنوان القمار والميسر.

وأما المراهنة فهي أوسع في الاستعمال؛ إذ قد يلتزم أحد الطرفين بعِوَض عند تحقق أمر معين أو حصول نتيجة مخصوصة، سواء أكان ذلك في لعبة أم في غيرها. فمثلًا يقول شخص لصاحبه: «أدفع لك مئة ريال إن فاز الفريق الفلاني»، أو يقول: «أعطيك هذا المبلغ إن نزل المطر غدًا»، أو: «إن وصل المتسابق أولًا دفعت لك كذا». فهذه مراهنة؛ لأنها قائمة على تعليق العِوَض على تحقق نتيجة معينة، ولا يلزم أن يكون فيها غُنم أحد الطرفين في مقابل غُرم الآخر بالمعنى الذي يتحقق في المقامرة.

وبعد ذلك ننتقل إلى أصل البحث، وهو الآية القرآنية التي يقوم عليها الاستدلال في هذه المسألة، قال تعالى:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].

مفردات:

– الأنصاب: هي الأحجار أو الأصنام التي كانوا ينصبونها ويتقربون إليها بالذبح، وقيل: هي الأحجار التي كانت تُنصب للعبادة ويُذبح عليها.

– الأزلام: وهي القداح التي كانوا يستعملونها للاستقسام، لمعرفة ما يفعلون وما يتركون، كالسفر والزواج ونحوهما. وهي قريبة في أصل الاستعمال من الخيرة، غير أن استعمالها في الجاهلية كان مرتبطًا بعبادة الأصنام وما يصاحبها من معتقدات.

– المَيْسِر: قال الأزهري في تهذيب اللغة: «المَيْسِر: القمار»، وأصله قمار العرب بالقداح.

وقال ابن منظور في لسان العرب: «المَيْسِر: اللعب بالقداح»، ونقل عن مجاهد أن «كل شيء فيه قمار فهو من الميسر»، وعن عطاء أن الميسر هو «القمار بالقداح».

والمراد بالقداح: السهام أو الأعواد التي كانوا يستعملونها في القمار والمراهنة. ومن مجموع هذه الاستعمالات يظهر أن عنوان المَيْسِر في أصل اللغة يدور حول القمار والمراهنة، أي اللعب الذي يرتبط فيه المال أو العِوَض بالربح والخسارة، وليس هو اللعب مطلقًا.

– الرِّجْس: هو الخبيث المستقذر المذموم الذي يستوجب الاجتناب، ولا يلزم أن يكون المراد به النجاسة الحسية؛ إذ وصفه القرآن بأنه ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وهو ما يناسب إرادة الخبث المعنوي وما يوجب الابتعاد عنه.

المدار في مرجعية القرآن

جعلت الآيةُ المَيْسِرَ موضوعًا مستقلًّا للتحريم، وذكرت له آثارًا ونتائج، منها إيقاع العداوة والبغضاء، والصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد خصّت الصلاة بالذكر لما لها من أهمية خاصة في حياة المؤمن.

إذن فكل لعبٍ اشتمل على المراهنة والمخاطرة بالمال أو العِوَض، بحيث يصدق عليه عنوان المَيْسِر، يدخل في التحريم المذكور في الآية. أما اللعب الخالي من المراهنة، فلا يصدق عليه عنوان المَيْسِر، وإنما هو لعب أو تسلية، فلا تشمله الآية من هذه الجهة.

وبناءً على هذا، لا يكون اللعب موجبًا للتحريم مع عدم عنوان الميسر؛ فالألعاب، كالشطرنج والنرد والزهرة وألعاب الورق والأونو والكيرم وغيرها، إذا كانت خالية من المراهنة، وكذلك الألعاب الإلكترونية التي لا تشتمل على قمار أو مراهنة، لا يصدق عليها عنوان الميسر، ومن ثمّ لا تشملها حرمة الميسر من هذه الجهة.

والنتيجة: أنَّ التحريم القرآني يدور مدار صدق عنوان المَيْسِر، وأما العداوة والبغضاء والصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فهي من الآثار والمفاسد التي ذكرها القرآن للمَيْسِر، ولا يتوقف صدق عنوانه عليها.

رأي الفقهاء بآلات القمار

اعتمد الفقهاء قديمًا وحديثًا في بحث حرمة اللعب بآلات القمار على الروايات الواردة في الباب، وجعلوا عنوان الآلة المعدّة للقمار محورًا في استنباط الحكم، وقسّموا المسألة إلى صور متعددة، أهمها:

الأولى: اللعب مع المراهنة، وهو اللعب الذي يكون فيه المال أو العِوَض محلَّ المخاطرة، ولا خلاف بين فقهاء الشيعة والسنّة في حرمة اللعب بآلات القمار في هذه الصورة.

الثانية: اللعب من دون مراهنة، مع كون الآلة من آلات القمار الشائعة، وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى حرمته، استنادًا إلى إطلاق الروايات الناهية عن اللعب بآلات القمار، سواء أكان اللعب مع مراهنة أم من دونها.

الثالثة: اللعب من دون مراهنة، مع عدم كون الآلة من آلات القمار الشائعة، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جوازه؛ لعدم شمول أدلة الحرمة لهذه الصورة.

الرابعة: خصوصية الشطرنج والنرد، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى حرمتهما مطلقًا، سواء أكان اللعب مع المراهنة أم من دونها، وسواء أكانت المقامرة بهما شائعة ومتعارفة أم لم تكن كذلك.

وقد وردت روايات في ذمّ الشطرنج والنرد والتشديد في النهي عنهما، منها ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «مَن لعب بالنرد والشطرنج فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه»، وقد أوردها صاحب جامع الأخبار، ونقلها عن عوالي اللآلي، وكذلك وسائل الشيعة.

ومن الفقهاء الذين ذهبوا إلى حرمتهما مطلقًا السيد الخوئي والسيد السيستاني.

أقول:

إنَّ المعيار في حرمة الشطرنج والنرد هو نفس عنوانهما، وأما غيرهما فالمعيار فيه صدق عنوان القمار والمراهنة، فما صدق عليه هذا العنوان حَرُم.

وأما وفق مرجعية القرآن، فالمعيار هو صدق عنوان المَيْسِر، وينقسم ذلك إلى صورتين: الأولى: القمار، لتحقق عنوان الميسر فيه، فيكون محرّمًا. والثانية: اللعب والتسلية والاستراحة من دون قمار أو مراهنة، فلا يصدق عليه عنوان الميسر، فيبقى على أصل الحل.