عزلة نختارها… أم تختارنا؟

نضال حسين آل مسيري
هناك شعور ألتقطه في نفسي كثيرًا في الفترة الأخيرة: أكون خارج المنزل، وبين الناس، وربما في مكان لا ينقصه شيء، ومع ذلك أشعر برغبة واضحة في العودة. لا لأنني متعب، ولا لأن لدي عملًا ينتظرني. بل لأنني أريد العودة إلى مكاني المعتاد، إلى الكرسي الذي أحب، ومشروبي المفضل، والهدوء الذي أرتاح له. أجلس، أمسك هاتفي، وأتنقل بين التطبيقات بلا هدف محدد. مقطع، خبر، رسالة، صورة، تعليق، ثم مقطع آخر… وتمضي الدقائق من دون أن أشعر.
والغريب أنني في تلك اللحظة أشعر براحة حقيقية. ومن هنا بدأ السؤال: هل هذه الراحة نابعة من العزلة نفسها، أم من الهاتف الذي أصبح جزءًا من طقوسها؟
الهاتف اليوم لم يعد مجرد وسيلة اتصال. أصبح مساحة نلجأ إليها حين نشعر بالملل أو التوتر، وحين نريد أن نبتعد قليلًا عن الناس وعن ضجيج الحياة. ولكل واحد منا، على الأغلب، مكانه الخاص؛ غرفة، زاوية في البيت، كرسي معين، وربما حتى الكراج. مكان يشعر فيه بأنه بعيد قليلًا عن الالتزامات والأسئلة، وأن وقته أصبح ملكه أخيرًا.
ولا أرى في ذلك مشكلة. فالإنسان يحتاج إلى الهدوء، ويحتاج أحيانًا إلى أن يجلس وحده، وأن ينسحب قليلًا من العالم. لكن ما يستحق التأمل هو أن الهاتف أصبح حاضرًا دائمًا داخل هذه العزلة، حتى صار من الصعب أحيانًا أن نعرف: هل نحن نبحث عن الهدوء فعلًا، أم نبحث عن الشاشة؟
تطبيقات التواصل صُممت بحيث تجعل الانتقال من شيء إلى آخر سهلًا وسريعًا. كل حركة إصبع تحمل شيئًا جديدًا، وإذا لم يعجبنا ما نراه انتقلنا فورًا إلى غيره. أما الحياة الحقيقية فلا تعمل بهذه الطريقة. فيها انتظار. وفيها صمت. وفيها أوقات طويلة لا يحدث فيها شيء يستحق التصوير أو النشر أو الإعجاب.
وربما لهذا أصبح الفراغ نفسه ثقيلًا علينا. يكفي أن نجلس دقائق بلا شيء، حتى تمتد أيدينا تلقائيًا إلى الهاتف، وكأن الصمت أصبح فراغًا يجب ملؤه فورًا.
أنا، على الأقل، أستطيع أن ألاحظ هذا الشعور في نفسي وأن أناقشه. أستطيع أن أسأل نفسي: لماذا أرغب أحيانًا في العودة إلى البيت بسرعة؟ ولماذا أبحث عن هاتفي فور جلوسي؟ وهل أنا أختار هذه العزلة فعلًا، أم أنها تحولت مع الوقت إلى عادة أقوم بها من دون تفكير؟ مجرد طرح هذه الأسئلة يجعلني أكثر وعيًا بما يحدث.
لكنني حين أفكر في الأمر، ينتقل ذهني إلى سؤال آخر ربما يكون أهم: ماذا عن الشباب والمراهقين والأطفال؟
أنا عرفت جزءًا من حياتي قبل أن يصبح الهاتف الذكي حاضرًا في كل لحظة. أعرف شكل الانتظار من دون شاشة، وأعرف كيف تمر ساعة كاملة من دون إشعار أو رسالة أو مقطع قصير. لكن هناك جيلًا لم يعرف هذا العالم أصلًا.
مراهق نشأ والهاتف جزء طبيعي من حياته منذ سنواته الأولى، كيف يمكنه أن يعرف بسهولة الفرق بين الراحة والهروب؟ وبين أن يختار الجلوس وحده، وبين أن يصبح غير قادر على تحمل الوقت بلا شاشة؟
المراهق ما يزال يبني صورته عن نفسه وعن الآخرين، وفي الوقت نفسه يجد أمامه عالمًا كاملًا من الصور والمقاطع والمقارنات والإعجابات، وحياة تبدو دائمًا أجمل وأسرع وأكثر إثارة من حياته اليومية. ونحن الكبار قد نعرف، أو على الأقل يُفترض أن نعرف، أن ما نراه في مواقع التواصل ليس الصورة كاملة. لكن هل يملك الصغير أو المراهق دائمًا المسافة النفسية نفسها؟ وهل يعرف متى يقول لنفسه: يكفي؟
ومع ذلك، لا أعتقد أن الحل هو محاربة التقنية أو منعها. هذا غير واقعي، وربما غير مفيد أصلًا. الهاتف أداة مذهلة. منه نتعلم، ونعمل، ونتواصل، ونضحك، وننجز أشياء لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة. المشكلة ليست في وجوده. المشكلة تبدأ حين لا نعود نعرف متى نضعه جانبًا.
ربما ما نحتاج إليه، نحن وأبناؤنا، ليس المزيد من المنع، بل المزيد من الوعي. أن نسأل أنفسنا من وقت إلى آخر: هل أستخدم الهاتف لأنني أريده؟ أم لأنني لم أعد أعرف ماذا أفعل بدونه؟ هل هذه العزلة مساحة أختارها لأستعيد هدوئي؟ أم أنها عزلة بدأت تختارني؟
أنا لا أخاف من الهاتف، ولا من الجلوس وحدي. بل أحب الاثنين أحيانًا. لكن ما يستحق الانتباه فعلًا هو ألا نفقد، بهدوء ومن دون أن نشعر، قدرتنا على الاختيار.
فالعزلة حين نختارها قد تكون راحة. لكن حين تبدأ هي باختيارنا، تصبح سؤالًا يستحق أن نتوقف عنده.



