أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تعقيب | من هرمز إلى البحرين.. القصة الكاملة لتحالفات القطيف والبرتغاليين

منة الله فتحيالثلاثاء 6 أكتوبر 2026، 1:11 م
تعقيب | من هرمز إلى البحرين.. القصة الكاملة لتحالفات القطيف والبرتغاليين

جلال خالد الهارون

الأخ رئيس تحرير صحيفة «صُبرة» الإلكترونية،

تحية طيبة،

بعد قراءة التقرير التاريخي الذي نشرته «صُبرة» في الأول من أكتوبر بعنوان: «1 أكتوبر 1636م.. تحالف قطيفي برتغالي ضد الصفويين»، والذي تناول النصوص البرتغالية التي تكشف عن طلب باشا القطيف دعمًا برتغاليًا لمواجهة الصفويين في جزيرة البحرين، رأيت أن أشارككم قراءة أوسع للسياق التاريخي الذي يقف خلف هذا الطلب.

لا أقصد هنا إعادة مناقشة ما ورد في التقرير بندًا بندًا، وإنما محاولة كتابة القصة التاريخية الكاملة التي تضع وثائق سنة 1636م في سياقها الصحيح؛ فهي، في الحقيقة، تمثل حلقة متأخرة من سلسلة طويلة من الأحداث السياسية والعسكرية التي شهدها الخليج العربي منذ سقوط هرمز سنة 1622م.

سقوط هرمز

تعود بداية القصة إلى سنة 1622م، عندما تحالف أسطول شركة الهند الشرقية الإنجليزية مع الشاه عباس الأول الصفوي ضد البرتغاليين والهرامزة المسيطرين على جزيرة هرمز. وتمكن الأسطول الإنجليزي من دك التحصينات البرتغالية في الجزيرة، في الوقت الذي عبرت فيه القوات الصفوية إلى هرمز بقوة عسكرية كبيرة قُدرت بنحو خمسة وعشرين ألف مقاتل، لتنتهي المعركة بسقوط الجزيرة وانهيار السلطة البرتغالية–الهرمزية فيها.

وبذلك انتهى الوجود البرتغالي في منطقة مضيق هرمز، لكن سقوط الجزيرة لم يكن نهاية الوجود البرتغالي في الخليج العربي. فقد انقسم البرتغاليون الذين خرجوا من هرمز بين مسقط والبصرة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخهم السياسي والعسكري في شرق وجنوب الجزيرة العربية.

خطة مسقط

وعقب سقوط هرمز، عقد البرتغاليون في مسقط اجتماعًا مهمًا ضم عددًا من كبار القادة، من بينهم قائد قلعة مسقط وقادة الأسطول وعدد من المحاربين القدماء أصحاب الخبرة بشؤون الخليج. وانتهى الاجتماع إلى إعداد تقرير عسكري وسياسي واقتصادي مفصل، رُفع عن طريق نائب الملك في الهند إلى الملك الذي كانت البرتغال تخضع لسلطانه آنذاك.

وقد اشتمل التقرير، الذي جاء في نحو ثلاث وعشرين صفحة، على توصيات تهدف إلى إعادة بناء النفوذ البرتغالي في المنطقة بعد خسارة هرمز. ومن أهم تلك التوصيات إرسال قوة بحرية برتغالية بقيادة روي فريري دي أندرادي، تكون مهمتها ممارسة الضغط البحري على المصالح الإنجليزية والصفوية في الخليج، وضمان استمرار خطوط الإمداد والتجارة بين مسقط والقطيف والبصرة.

حزام التحالفات

ولم تقتصر الخطة على العمل البحري، بل تضمنت أيضًا إقامة شبكة من التحالفات مع القوى العربية الموجودة على امتداد الساحل والداخل. وكان في مقدمة تلك القوى أفراسياب، حاكم البصرة، الذي ارتبطت به آنذاك مناطق الأحساء والقطيف سياسيًا، كما أولى البرتغاليون أهمية خاصة للشيخ قطن بن ناصر الجبري، الذي كان يمثل إحدى أبرز القوى العربية في بادية عُمان وشرق الجزيرة العربية.

وفي الوقت نفسه، رأت الخطة البرتغالية أهمية دعم القوى الداخلية في عُمان، وتشجيع علماء الإباضية على الاتفاق على إمام، بما يسمح بتكوين قوة سياسية وعشائرية في الداخل العُماني تستطيع مواجهة التوسع الصفوي ومنع امتداده نحو السواحل العربية.

وهكذا، لم تكن الاستراتيجية البرتغالية الجديدة مجرد محاولة لاستعادة قاعدة بحرية بديلة عن هرمز، وإنما كانت مشروعًا أوسع يهدف إلى إقامة حزام من القوى العربية المتحالفة أو المتعاونة مع البرتغاليين، يمتد من عُمان إلى القطيف والبصرة، ويحول دون سيطرة الصفويين وحلفائهم الإنجليز على السواحل العربية للخليج.

الجبور والبحرين

وفي ظل هذه الظروف، تحرك الجبور والعشائر المتحالفة معهم، مستفيدين من الدعم الذي حصلوا عليه من أفراسياب، حاكم البصرة، وعبروا إلى جزيرة البحرين وتمكنوا من السيطرة عليها خلال عشرينيات القرن السابع عشر.

وتظهر أخبار هذه الأحداث بصورة واضحة في تدوينات الغنوي، المعاصر لتلك المرحلة، وهي أخبار تساعد على فهم أن الصراع على البحرين لم يكن منفصلًا عن التحولات الكبرى التي أعقبت سقوط هرمز، بل كان جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى في الخليج العربي.

حرب الخليج

وبعد وصول الأسطول البرتغالي بقيادة روي فريري إلى المنطقة، دخل الصراع مرحلة أكثر عنفًا. فقد بدأت السفن البرتغالية تنفيذ عمليات بحرية واسعة استهدفت المصالح التجارية الإنجليزية والصفوية، بهدف حرمان الطرفين من الاستفادة الاقتصادية من الخليج وإجبارهما على تحمل كلفة سقوط هرمز.

وفي المقابل، حافظ البرتغاليون على خطوط الملاحة والإمداد التي تربط مسقط بالبصرة وموانئ الساحل العربي. وأدت هذه الاضطرابات إلى نتائج اقتصادية قاسية على المنطقة، حتى إن نشاط الغوص على اللؤلؤ تعرض لتوقف شديد في المياه المحيطة بالقطيف والبحرين وشبه جزيرة قطر، نتيجة حالة الحرب وعدم استقرار طرق الملاحة.

مصالحة الخصوم

وأمام استمرار الضغط البحري البرتغالي، دخل الطرفان البرتغالي والصفوي في مفاوضات انتهت خلال النصف الثاني من عشرينيات القرن السابع عشر إلى معاهدة عام 1625م، التي أعادت تنظيم العلاقة بينهما. وكان من أبرز نتائجها حصول البرتغاليين على موطئ قدم تجاري على الساحل الفارسي في بندر كنك، لتبدأ بذلك مرحلة مختلفة تمامًا عن مرحلة المواجهة التي أعقبت سقوط هرمز.

فبعد أن كان البرتغاليون والصفويون في حالة حرب مباشرة، أخذت العلاقة بينهما تتجه تدريجيًا نحو التفاهم وتنظيم المصالح التجارية، وأصبحت السفن البرتغالية تمارس نشاطها في المنطقة بصورة أقرب إلى نشاط القوى الأوروبية التجارية الأخرى، الإنجليزية والهولندية، التي بدأت تؤسس مراكز لها في الخليج.

وهذا التحول مهم جدًا لفهم ما حدث لاحقًا؛ فالبرتغالي الذي كان حليفًا طبيعيًا للقوى العربية المناوئة للصفويين عقب سقوط هرمز، لم يعد بعد سنوات يقف في الموقع السياسي نفسه.

وثائق 1636

وبعد أربعة عشر عامًا تقريبًا من سقوط هرمز، كانت خريطة التحالفات في الخليج قد تغيرت بصورة كبيرة. ولهذا، عندما نقرأ الوثائق البرتغالية التي نشرتها «صُبرة»، والمتعلقة بطلب باشا القطيف في سنة 1636م دعمًا برتغاليًا لمواجهة الصفويين في البحرين، ينبغي ألا نقرأها باعتبارها حادثة منفردة أو طلبًا عسكريًا عابرًا.

فخلف هذا الطلب تقف قصة بدأت منذ سنة 1622م: سقوط هرمز، وانتقال البرتغاليين إلى مسقط والبصرة، وإعادة بناء استراتيجيتهم في الخليج، والتحالف مع أفراسياب، ودعم القوى العربية وفي مقدمتها الجبور، ثم الحرب البحرية ضد الصفويين والإنجليز، وأخيرًا تحول العلاقات البرتغالية–الصفوية من المواجهة إلى المصالحة وتنظيم المصالح التجارية.

حلقة الصراع

ومن خلال هذا السياق التاريخي، يمكن العودة إلى نصوص سنة 1636م وإعادة قراءتها بصورة مختلفة؛ لا باعتبارها نصوصًا منفصلة، وإنما باعتبارها الحلقة الأخيرة، في ذلك الوقت، من صراع طويل على البحرين والقطيف وطرق التجارة والسيادة على الخليج العربي.

أضع هذه القراءة بين أيديكم، وأتمنى أن تكون مفيدة في استكمال الصورة التاريخية التي بدأتم بتقديمها في تقرير «صُبرة».

اقرأ التقرير السابق

https://www.sobranews.com/sobra/414852

بلدات:القطيف