القرآن أولًا 22 | الربا القرآني أم الربا المتداول؟

الشيخ علي الفرج
الربا في أصل اللغة هو الزيادة والنماء. وأمّا في الاصطلاح الفقهي المتداول، فهو الزيادة المحرمة في بعض المعاملات المالية.
وقد شدّد القرآن الكريم في تحريم الربا، وقرن النهي عنه بألوان من الوعيد الشديد؛ فذكر الخلود في النار لمن عاد إليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وتوعّد من لم يترك ما بقي من الربا بالحرب من الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. كما وصف المرابي في سياق الحديث عن محق الربا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وهذه الآيات تبيّن شدة الوعيد القرآني في شأن الربا، وعِظَم خطره في ميزان القرآن.
والربا من الأبواب الفقهية البالغة الأهمية؛ لارتباطه بالقروض والمعاملات المصرفية في الحياة المعاصرة، الأمر الذي يستدعي التمييز بين الربا المحرّم وغيره من المعاملات. وينطلق هذا البحث من استقراء الآيات القرآنية الواردة في باب الربا، ثم عرض الروايات عليها؛ لتحديد حقيقة الربا المحرّم في ضوء القرآن، وعدم الاكتفاء في ذلك بما اشتهر في كتب الفقه من تحديدات فقهية، من دون الرجوع إلى دلالة الآيات القرآنية في هذا الباب.
وسنعرض أولًا الرأي السائد في تحديد حقيقة الربا وبعض أحكامه، وفقًا للمبنى القائم على مرجعية الروايات، ثم نعرض رأي مرجعية القرآن، بجعل القرآن المرجع الأساس في تحديد حقيقة الربا المحرّم وبيان حدوده.
الربا عند مرجعية الروايات
المشهور في الفقه الإمامي أن الربا ينقسم ـ في الجملة ـ إلى قسمين رئيسين:
الأول: ربا القرض: وهو أن يقرض الإنسان غيره مالًا، ويشترط عليه في ضمن القرض أن يردّ أكثر مما أخذ، فالزيادة المشروطة في القرض هي الربا المحرّم.
الثاني: ربا البيع: وهو الربا الذي يتحقق في بعض المعاملات البيعية عند توافر شروطه الفقهية، ومن صوره مبادلة جنس واحد من المكيل أو الموزون مع التفاضل، كبيع كيلوغرام من الذهب بكيلوغرامين منه.
وأمّا حكم بيع النقود الورقية عند السيد السيستاني، فيختلف بحسب اتحاد جنس العملة أو اختلافه، وبحسب كون البيع نقدًا أو نسيئةً:
– إذا اختلف جنس العملة: يجوز بيع بعضها ببعض مع التفاضل نقدًا أو نسيئةً، مثل بيع خمسة دنانير كويتية بعشرة دنانير عراقية.
– إذا اتحد جنس العملة: يجوز بيع بعضها ببعض مع التفاضل نقدًا، مثل بيع مائة ريال سعودي بمائة وعشرة ريالات سعودية.
– إذا اتحد جنس العملة وكان البيع نسيئةً: فالأحوط لزومًا ترك التفاضل، أي أن يبيع مائة ريال بمائة وعشرة ريالات مؤجّلة.
الربا عند مرجعية القرآن
ورد ذكر الربا في ثمانية مواضع من القرآن: في سورة البقرة في الآيات 275 إلى 280، وفي آل عمران: 130، وفي الروم: 39. وأهم موضع في تحديد العلاقة بين البيع والربا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا﴾ [البقرة: 275].
وهذه الآية تفتح بابًا مهمًّا للتأمّل؛ فقد نقل القرآن قول المرابين: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، وهو قول يدلّ على التمييز بين البيع و الربا، فحقيقة البيع غير حقيقة الزبا، ولا يعد البيع ربا، ولا الربا بيعاً. مع ادّعائهم المماثلة بينهما، ثم ردّ عليهم بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. فقد قابل القرآن بين البيع والربا، فأحلّ الأوّل وحرّم الثاني، وهو ما يبرز اختلافهما في الحكم، ويفتح باب السؤال عن حقيقة الربا الذي قابله الله بالبيع، ثم حكم بتحريمه.
وبالنظر إلى مجموع الآيات الواردة في الربا، يظهر أن محور الربا القرآني هو الزيادة في الدَّين والقرض، في حين لا يظهر في هذه الآيات نصٌّ على تحريم ما يُسمّى في الاصطلاح الفقهي بربا البيع.
ومن هنا يتضح الفرق بين القرض والبيع في محورين أساسيين؛ فالقرض في أصله إرفاق وإعانة، ينتفع فيه المقترض بالمال، ثم يردّ مثله إلى المقرض. أمّا البيع، فهو مبادلة بين مالين، يحصل فيها كلّ طرف على عوض مقابل ما يقدّمه للطرف الآخر.
ويؤكد هذا السياق أن الربا القرآني يرتبط بالدَّين والقرض؛ فالآيات تتحدث عن أموالٍ في الذمم، وما يترتب عليها من زيادة. ويؤيد ذلك قوله تعالى بعد آيات الربا: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
فالآية تتحدث عن المدين المعسر، وتأمر بإمهاله حتى يتمكن من السداد، ثم تحثّ على التصدّق عليه. وهذا السياق يؤكد ارتباط الربا بالدَّين والقرض، وما يتصل بهما من الإرفاق والصدقة.
لماذا يخرج ربا البيع من الربا القرآني؟
أمّا ربا البيع بالمعنى الفقهي المتداول، فلا نجد في القرآن نصًّا يذكر تحريم مبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، أو الحنطة بالحنطة مع التفاضل، كما لا نجد فيه بيان الشروط الخاصة بالمكيل والموزون التي تذكرها كتب الفقه في هذا الباب، وكذلك الروايات الشريفة.
فإذا كان القرآن هو المرجع الأساس في تشريع المحرّمات، فإن تحريم ربا البيع لا يثبت بالروايات التي لم يرد مضمونها في القرآن، حتى مع كثرة الروايات الواردة في النهي عنه، وتأكيدها، بل وتواترها.
فما هو الحل مع هذه الروايات؟
الجواب: يُحمل التحريم القرآني للربا على ربا القرض والدَّين؛ لأن هذا هو القسم الذي دلّت عليه آيات الربا بوضوح. أمّا النهي الوارد في الروايات عن بعض صور ربا البيع، فيُحمل ـ وفقًا لهذا المبنى ـ على الكراهة والتنزيه؛ لأن إثبات التحريم الشرعي يقتضي مستندًا قرآنيًّا لا روائيًا.
وهذا ما سنبحثه في المقال الآتي، مع بيان أن بعض الروايات نفسها تؤكد مرجعية القرآن في هذا الباب، وتؤيد عرض الروايات على كتاب الله. وهذا ما سيأتي تفصيله في المقال القادم، فانتظر.



