وفاءً لأصحاب الرداء الأبيض

دكتور حسين فؤاد الصفار
تلتحق بالجامعة غضا طرياً يافعاً، وأنت لم تذق مرارة الحياة ولم تتقلب في فصولها، كمن عاش حياته ربيعاً دون صيف أو شتاء، لتجد نفسك أمام دراسة جادة ومسؤولية كبيرة فأنت تدرس ما يحفظ حياة الناس ويداوي جراحاتهم، فتفني أيام فتوتك بين الكتب و أروقة الجامعة، ونفسك تكابد القلق من كل سطر قرأته أو لم تقرأه خوفا من المسؤولية وحفاظاً على الناس، لتجد نفسك تحت براثن قلقك مرة وتحت عتاب الأهل والأصحاب تارة أخرى، بعد أن اضطررت لهجر الأفراح والأتراح، وصبرت نفسك على ملازمة الكتب، لتقوم بعدها بالسهر على مداواة الناس ومعالجتهم في ظروف صعبة من نقص الكادر الطبي ونقص الموارد في بعض الأحيان.
وقد تُشغل بمن يحتاج المساعدة دون نفسك أو أهلك وأقاربك، وأنت تصارع الأولويات، الأهم فالمهم دون أن تنتظر الشكر والثناء، متحملاً عصبية مريض هنا وشجاراً هناك، وغيرها من أمور لا يسعها المقام، وأنت تتفنن في إيجاد موارد بديلة وتعويض النقص وتوفير الخدمة بكل جد وتفاني، لهو شرف عظيم وأجر كبير عند الله سبحانه وتعالى، فللعابد عبادته وللعالم علمه و لمطبب طبابته يقابل بها الله سبحانه يوم تخف موازين وتثقل موازين أخرى، وكيف لا وقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قوله: ( العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان)، وقد يقضي الممرض أو الصيدلي أو غيره أيام شبابه وكهولته وهو يرسم بسمةً، ويداوي جرحاً ويخفف ألماً، وقد يزرع الأمل حين يظن البعض أن لا أمل، وقد يربت على كتف أتعبها الزمن فيعيد لها البهجة والفرح، وأصعب موقف قد يتعرض له هذا الإنسان الذي أوقف نفسه لطبابة الناس وعلاجهم، هو أن يقف مكتوف اليدين مغلول القدمين أمام موت الأحبة، ذلك الصمت الذي لا حديث بعده ولا همس ولا نجوى، أن يكون باباً لشفاء الناس ويقف عاجزاً أمام موت أعزته وأحبته، تلك المشاعر المختلطة هي قدرة الله سبحانه وحكمته، فالله أعطى الأمانات وهو بحكمته يستردها.
هنا أقف بقلب مكلوم لكل أخ أو صديق أو زميل وكل ممارس صحي، رأى نفسه عاجزاً في ذلك الموقف الصعب، لأقدم له أحر التعازي ومشاعر المواساة وابتهالات أرفعها للسماء، وأخص عائلتي الخنيزي والزاير لفقدهم ابنهم الشاب فواز نضال الخنيزي رحمه الله، وأخص والدته الصيدلية القديرة سهير الزاير، التي رأيتها تعمل بجد واجتهاد وحماسة قل نظيرها وتسد النقص والعجز هنا وهناك كالنحلة من مركز لآخر دون كلل أو ملل أو تبرم، رعاية للمرضى ومصالحهم، فهي بحق تستحق الشكر والإشادة على جهودها وجديتها وحماستها في رعاية الناس، أسأل الله اللطيف أن يشمل كل فقيد خصوصا هذا الشاب بلطفه ورحمته، وأن يعلم من فقد أن ما قدمه للناس قدمه لله سبحانه، وأن الله لا ينسى ولا يجفو عباده قال تعالى: { أَنِّي لَا أُضِيع عَمَل عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى }، للفقيد الرحمة والمغفرة ولذويه الصبر والسلوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



