حكاية 75 ريالاً مع سائق طالبات

حبيب محمود
كان صديقي يروي حكاية 75 ريالاً فقط لا غير. لكنها ليست كأيّ قصة. فبعد تعليق الدراسة؛ نسي صديقي السائق الذي يوصل ابنته إلى المدرسة. اعتاد أن يدفع 150 ريالاً، في نهاية كل شهر، حسب الاتفاق. إنه مبلغٌ صغير.
وقال صديقي: في مساء كأنه متأخّرٌ؛ تلقّيت اتصالاً من السائق، وهو شابٌ من البلدة.
المؤلم في الاتصال أن السائق الذي يُعيل أسرة؛ كان “يطالب” بـ 75 ريالاً فقط، قيمة إيصال الطالبة مدة أسبوعين. كان صوته ـ حسب رواية صديقي ـ خجولاً، ومُنكسراً، ومُحاصَراً بالحاجة، ومُضطرَّاً إلى جمع “ديون صغيرة” لدى عدد يسير من الآباء الذين يوصل أطفالهم إلى المدارس.. إنه مصدر رزقه الوحيد..!
قال صديقي: وجدت نفسي محاصَراً أكثر منه، فالحاجة إلى هذا المبلغ الصغير حملته على أن يطلب حقه، وهو الذي لم يفعلها سابقاً، حتى وإن تأخرت عليه.. كانت “الشهرية” تصله بلا مطالبة.
قال صديقي: عندها؛ طلبت منه أن يأتي على الفور، وأمام باب المنزل؛ سلمته أجرة شهرين كاملين، لكن الرجل رفض المبلغ الزائد.. رفض بشدة.. وقال “هذا أكثر من حقي”. لكنني أقنعته بأننا متفقون معه على العمل طيلة السنة الدراسية، وأن هذا المبلغ مقدمٌ في حال عادت الدراسة. ولولا هذه الحيلة؛ لما تقبّل الشاب المبلغ الزائد.
لم يعد الطلاب إلى مدارسهم، وهذا السائق الشاب انضمّ قائمة “المتضررين من كورونا”، وجاء شهر رمضان المبارك، وبعد أيام سيحلُّ العيد، وما بعد ذلك أشهرٌ طويلة من التعطُّل. وأكثر المتضررين لم يحسبوا حساباً لمثل هذه “الجائحة”.
وحين بادرت الجمعيات الخيرية إلى مساعدة المتضررين؛ لم تُفصح أرقام التبرعات عن مبالغ يُمكن أن تُعيل الأسر بما يكفي. 1500 ريال لكلّ أسرة لمرة واحدة؛ لا تكفي.
ومثل هذا الشاب كثيرون، والعيد بدأ في مغازلة الرغبات والحاجات، وعلى الرغم من منع التجول الكلي، أيام العيد، فإن الناس في حاجةٍ ماسّة إلى الفرح، حتى في أضيق الحدود.
لم يذكر لي صديق تفاصيل ما بعد قصة الـ 75 ريالاً، لكن المؤكد أن هناك تفاصيل لا يعرفها إلا ذلك الشاب الذي اضطرّ إلى الاتصال بالآباء ليطالب كلّاً منهم بمبالغ صغيرة، ليُنقذ نفسه من ألم حاجته، وحاجة أطفاله.
تذكروا هذا الشاب وأمثاله في ليلة القدر.. تذكروهم وأنتم تسألون الله من فضله، وتطلبون حاجاتكم منه، وتنتظرون أرزاقكم من كرمه.. أشركوهم في دعائكم.. وفي أموالكم.



