امْسامحة يا شيوخنا.. فشلتونا…!

حبيب محمود
وظيفة الفقه الأساسية هي إيجاد الحل للمشكلة، لا أن يكون المشكلة في ذاته. وما حدث في القطيف تحديداً، منذ مساء البارحة، هو أن مشايخنا الكرام؛ ألقوا الناس في اليمّ، وحذّروهم من البلل بالماء، فحدث ما حدث، وصام من صام، وأفطر من أفطر، وسط ارتباك مصطلحات، لا قِبل للناس بفهمها، ولا منطق في اختلاط حابلها بنابلها، إلى الحدّ المُضحك المُبكي..!
سيجد كلّ واحدٍ من مشايخنا الكرام من يُدافعون عنه، ويُنافحون عن تحرُّجه وورعه وتحفُّظه والتزامه، بلا تردُّد. وكلٌّ منهم له الكرامة والإجلال، في شخصه وفي صفته. إلا أن الحقيقة هي أن هذا النوع من المنافحة؛ فئوي جداً. وتقابله مناكفةٌ من آخرين يقعون على ضفة أخرى من موقعه.
المعنى البسيط؛ هو أن كلّ جماعة سوف يدافعون عن شيخهم؛ ويُبجّلون حتى عطاسه وسُعاله، إلى ما لا نهاية. ولا جدوى من نقاش هذه النقطة..!
بيد أن محصّلة التفكير الجمعي عند الناس في النهاية؛ هي فقدان الثقة في مجمل دور العلماء في حياتهم، وجدوى وجودهم في إخراجهم من الحالات الابتلائية.
المتعبد البسيط الذي يصفه الفقهاء بـ “العامي”؛ يُريد من الفقه حلّاً لمشكلاته. في حين إن ما حدث يُشير إلى أن العلماء ـ لا الفقه ـ وضعوا أمامه المشكلة، بدلاً عن وضعهم الحلّ..!
واقع الأمر ـ وبصراحة ـ هو أن علماءنا الكرام ـ في القطيف تحديداً ـ ما زالوا مولعين بالحالة “النخبوية” الخاصة بهم. وهي حالة كانت صالحة قبل نصف قرن، حين كان المعمّمون في قمة معرفية وعلمية أعلى من قدرة الناس على الاقتراب منها، وحين كانت المرجعية الفقهية محصورة في اثنين أو ثلاثة من الفقهاء المقلَّدين.
حتى قبل نصف قرنٍ، كان العلماء أقرب إلى عقول الناس، وأكثر وضوحاً في مخاطبتهم؛ على الأقل في مسائل التعبُّد.
كان شُحّ المعلومات نعمةً؛ ودور المشايخ أكثر تأثيراً، وتحدّياتهم أقلّ. وكذلك مشكلات الناس؛ كانت أقلّ؛ وأدوات الفقه أقدَر على إيجاد الحلول.
السبب ـ في نظري ـ هو فهم أولئك العلماء لدورهم وواقعهم، على اختلاف مشاربهم الفقهية.
مشايخ اليوم؛ لم يتقدّموا خطوة واحدة على أسلافهم. ما زالوا يفكّرون بالنمطية نفسها، وهي لم تعد صالحة لواقعنا المعاصر.
وما حدث منذ البارحة، وما يحدث كلّ عام، هو نتيجة طبيعية لنمط من التفكير المتعالي على فهم الناس، الناس الذين يريدون الحل، الحلّ الذي يُقدّمه الفقه، الفقه الذي يواجه الابتلاءات، الابتلاءات التي تعني مسألة من مسائل التعبُّد، التعبُّد الذي يعني: هل نُفطر عيداً، أم نصوم رمضان..؟
أكثر من 600 عمامة في القطيف؛ وضعوا الناس أمام مشكلة، ولم يُقدّموا حلاً. وطبيعيٌّ جداً أن يتصارخ الناس في تواصلهم الإلكتروني. إنها حالة احتجاج اجتماعيّ جاد وصاخب وعميق؛ وعلى مشايخنا الكرام أن يحملوا هذه الظاهرة ـ ظاهرة الاحتجاج الاجتماعي ـ على محمل الجدّ، حتى لا يفقد الناس ثقتهم في الفقه، الفقه الذي يُوجد حلولاً، لا أن يصنع مشكلات..!
بالتأكيد؛ ليس المقصود أن يتبع العلماء أهواء الناس، على وزن “ما يطلبه المستمعون”، بل أن يتجاوزا حزازات فئويتهم البينية، من أجل حماية “بيضة” التشيُّع. أن يكونوا على قدر مسؤولياتهم إزاء المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري الذي يلتقي جميعهم عنده..!
أليس من المحرج ـ حدّ الفشالة ـ أن يكون الجميع إماميين؛ ثم يتصارخون كلّ عام في مسألة واحدة..؟
بالتأكيد؛ ليس الفقه عاجزاً عن إيجاد الحل، ولكنّ ما يبدو هو أن كلّ “شيخ” يُريد تعميم حلّه هو فحسب..!



