هل عليّ الاعتذار من المشايخ…؟

حبيب محمود
أنا عاميٌّ ابن عامّيين، أباً وأمّاً. وحظّي من التعليم أقلُّ من أكثر أبناء جيلي. لم أدخل حوزة في حياتي، ولا نصيب لي منها؛ إلا حلقاتٌ يسيرة لم تتخطّ “المسائل المنتخبة” و “منهاج الصالحين” للسيد الخوئي، رحمه الله، و “متن الآجرومية”، وشطراً من “قطر الندى”، و “خلاصة المنطق”، و “أوائل المقالات”، وشيئاً من “شذرات الذهب”.
إنها سيرةٌ أقلُّ من متواضعة، ولا تُكمل معي حتى “بسملة” مقدمات الحوزة. وفوق ذلك؛ هي من القدم بحيث مضى عليها قرابة 35 سنة.
سيرةٌ لا تؤهل أمثالي للخوض في “تخصص” من التخصصات إطلاقاً. ولا تكفي حتى للحديث مع “طالب علم”، حول الغُسالة الطاهرة والأخرى النجسة..!
فهل عليّ أن أعقّب على نفسي بكلمة اسمها “لكن”..؟
قد أظن، فأنا عاميٌّ أباً عن جد. أعيش في مجتمع واحد، يتعبدون على مذهب واحد، في مكان واحد. ثم في يومٍ واحدٍ؛ وجدنا أنفسنا ما بين مَن حرامٌ عليه الصوم، ومَن حرام عليه الإفطار.
ثمّ حين ذهب فهمي الذي لم يدرس “اللّمعة”، إلى التساؤل عن هذا التشرذم الذي “يُذهب ريح” مشايخنا الأجلاءِ؛ في يومٍ من أيام الله العظيمة؛ قيل لي: إنك تتدخل في تخصُّص العلماء والمراجع، وتُسيء إلى الطائفة.. وتسعى إلى الشهرة، زائداً بعض “مَسبّاتٍ” أظنّها ظريفة وآتيةٌ من نفوس.. خفيفة.. ونظيفة..!
لستُ من هواة التحدّي؛ فوق ذلك؛ على من اتّهمني بالتدخل في “التخصص” أن يأتي بكلمة واحدةٍ صدرتْ عني وتناولت مصدراً من مصادر التشريع، أو شيئاً منه، أو خاضت في استدلال، أو مسّت أصلاً من أصول الفقه، أو استهانت بفتوى، أو أساءت إلى مرجع من مراجع الكرام، أو غمزت من شيخٍ بعينه.
إنني عاميّ أباً عن جد، ومن حقّي على العلماء ألّا يتركوني همَلاً في يوم أكون فيه أحوج إليهم من غيرهم. ذلك واجبهم إزاء دينهم وإزائي. حقّي عليهم أن أعرف منهم هُم. لا أن “أدوخ” في يومٍ عظيم، أطارد المعلومة التي أحتاج، وسط هرجٍ إلكترونيٍّ، يُضيف الشبهة على الشبهة، واللبس على اللبس..!
إنهم الطائفة التي “نفرت” لتتعلّم وتُعلّم. هذا واجبها، ودورها، ومسؤوليتها. بل هو أساس وجودها الوظيفي في المجتمع. وبوصفي عامّياً أباً عن جد؛ فإن ما سبق أن نشرته؛ هو تعبيرٌ عن حال كثيرين أمثالي وقعوا في الشبهة والمشكل، واحتاجوا إلى وضوحٍ وصراحة من مشايخنا الكرام، في مسألةٍ غايةٍ في الإلحاح.
أفإذا التمسنا الحقَّ وطلبنا العِلم من أهل العلم، ونبّهناهم إلى حاجتنا إليهم؛ نفر النافرون وزعق الزاعقون استصراخاً واستنقاصاً..؟
هل جئنا بإفكٍ في حقّ أي منهم..؟ أو اغتبنا..؟ أو بهتنا..؟
إذا كان المشايخ الكرام يستحقون اعتذاراً؛ فلا بأس. وعليه فإنني أعتذر باسمي ـ ولا أمثّل إلا نفسي ـ عن وضوحي وصراحتي. أعتذر عن خوفي على علماء بلادي من أن يفقدوا ما تبقّى لهم من هيبة في مجتمعهم. أعتذر عن أنني قلت إننا في حاجة إليكم فلا تتخلّوا عنا. أعتذر عن ظنّي أن أكثرهم قادرون على جمع الكلمة وتجاوز الفئويات، أعتذر عن عدم يأسي من إمكانية أن يكون أكثرهم صُنّاعَ وعيٍ وتنوير، ودعاة محبّة.
أنا النكرة حبيب محمود أعتذر ـ بشدّة وبحسم ووضوح ـ عن “كلّ ذنبٍ أذنبته”، وعن جريرتي “الكُبرى” التي صرتُ فيها “متطاولاً” على مقاماتكم. ومن أنا ـ يا سادتي ـ وما خطري حتى أسأل؟ وحتى ألتمس؟ وحتى أزعم بأنكم “تتنازعون” و “تتفرقون”، وأن رِيحكم تذهب..؟؟
أعتذر عن قولي إن الناس “تعبوا” من دوّامات العيد كل عام.. وكل عام.. وكل عام.. أنا مجرد عامّيٌّ ابن عاميٍّ، ابن عامّية.. وليس على العامّي إلا أن يُسمع ويُطيع..!



