في القطيف.. مِنْ يـِنْوَسْ يِشتكي…؟

حبيب محمود
مجتمعُ القطيف صغيرٌ نسبياً، إذا قسناه بمجتمعات المناطق الواسعة والمدن الكُبرى. وتلك ميزةٌ للقطيف من جهة، ومعضلة من جهة مقابلة. الميزة تأتي من تمتع المجتمع بحيويةٍ متفاعلة، بحيث من السهلِ تحريك تعاطف جماعيّ إيجابيّ إزاء مشكلاته وقضاياه وظواهره.
لكنّها ـ بالمقابل ـ معضلة، لأن التقارب الشديد فيه؛ يفرض قوانين أشبه بقوانين “القبيلة”، أحياناً. صحيحٌ إن القطيف مجموعة مجتمعات تتفارَق في مسائل ثقافية واجتماعية، وفي خلفيات جغرافية متباينة، لكنّ سوادها الأعظم يُختزَل في مجتمع واحد في النهاية.
وعلى هذا؛ فإن “قانون المجتمع” فيه من القسوة ما يكفي لإخافة أفراده من الخروج عليه، أو الاختلاف معه، أو حتى مصارحته بما هو مختلف عمّا “تواضع” عليه الناس واتفقوا. إنه ـ فعلاً ـ أشبه بنظام “قبَلي” في إجماله، من زاوية تأثيره، ووضع مجمل الناس في حساسية واحدة، ودائرة أحكام متقاربة.
في أزمة “كورونا” ظهر ذلك. في بعض المناطق في المحافظة؛ ظهرت بعض مخالفات لالتزام الاحترازات. هناك حلّاقون يمارسون عملهم أمام الناس. هناك أسر فتحت مجالسها لتلقّي العزاء. هناك “ديوانيات” لم تُغلق، هناك مجالس في “زرانيق” مستمرة.. هناك.. هناك.. هناك..!
فهل يستطيع أحد من الناس الإبلاغ عن أيّ من هؤلاء..؟
في قانون المجتمع؛ فإن الإبلاغ يعني “انتحاراً” اجتماعياً. سيكون الإبلاغ بمثابة اعتداء على “قبيلة” الناس. والمتضررة مصالحهم؛ سيقودون حملة “تسقيط”، دون أن يرفّ جفنُ بعضهم في إيصال التشنيع إلى مستوى “التكفير” المبطّن، إن لم يكن التكفير “الصريح”…!
يحدث ذلك؛ على الرغم من أن المخالفين قلة قليلة، والمعترضين على المخالفات كثرة كاثرة. والذين تؤلمهم المخالفات كذلك، ولكن ندرةً منهم مَن “يـِنْوَسْ” أن ينتقل من وضع “الرافض” إلى وضع “المعترض”، ثم إلى وضع “المبادر” بالإبلاغ.. أو حتى وضع “المعبّر عن رأيه”…!
“كورونا” هو العدوّ الأول للإنسان في كوكبنا كله. ووسائل الحماية شاملة، لا تفرّق بين فلّاح في إيرلندا، وسائق شاحنة في البرازيل. الفيروس الذي لا يُرى يمكن أن يهدّد متعبّداً مخلصاً عند الكعبة المشرفة، وسادن معبد في الصين. الفيروس كائن طبيعي، والطبيعة لا تميّز مؤمناً عن كافر، الطبيعة محايدة.
الرُّوحانيات ـ وحدها ـ لا تؤمّن حمايةً لأحد، ما لم يلتزم الرُّوحانيون أنفسهم أخلاقيات الروحانيات ذاتها. لكنّ بعض الروحانيين ـ وليس كلهم ـ لديهم من التفكير ما يُجرّئهم على جرّ الناس إلى أخطار ما أنزل الله بها من معنى.
والأنكى من ذلك؛ ينجحون ـ إلى حدّ ما ـ في حمل الناس على التفكير مثلهم. ومن يُخالفهم؛ يُتّهم بما ليس له طاقة على مواجهته.
“كورونا” هو عدوّ الناس الأول في أزمتنا الراهنة، وواجبنا الديني والأخلاقي والوطني هو التزام الطرق التي أوضحتها الدولة لنا، عبر أجهزتها المختلفة.
وهذه هي مسؤولتنا جميعاً، بلا استثناء، ولا تمييز.
تنويه:
يِنْوَسْ ـ في اللهجة القطيفية ـ هي كلمة “يأنس”، وقد تغيّر ترتيب حروفها لسبب لسانيّ شائع في المحافظة. والمعنى العام للكلمة هو “يأمن”.
وهناك تعبيرات كثيرة بين الناس استُخدمت فيها الكلمة، مثل:
ما يِنْوَس عليه: أي: لا يأمنه، ويخاف منه.
ناوَسه: أي رافقه ليشعر بالأمان.



