جدلياتنا في القطيف.. قاط.. قاطين.. قاط.. قاطين…!

حبيب محمود
كان في قريتنا الريفية؛ رجلٌ فيه خليطٌ من ظرف وحرارة دم. وحين بلغ الكهولة؛ أنشأ مشروعاً صغيراً في المقاولات. كان يتولّى “قَطوعات” في اللياسة والدهان والسباكة وأشغال خفيفة لأصحاب المنازل. وكان يُدير عمله “على ما خيّلت”، كما نقول في القطيف، أي بالبركة، و “المداكش”، والأخذ والردّ والمجالدة.. ومعها المجادلة..!
يُحكى عنه أن “تقاطع” مع صاحب منزل على أن يدهن منزله، واشترط عليه المالك أن يكون الدهان طبقتين. وبعامية القطيف يقولون “قاطين”..!
أنجز المقاول الصغير العمل، لكن صاحب المنزل لم يقتنع بجودة الخدمة، فدخل معه في جدال. صاحب المنزل يقول هذا “قاط”، والمقاول الصغير يقول “قاطين”..
تبادل الطرفان: قاط.. قاطين.. قاط.. قاطين.. ودارت دائرة الجدل، دون استسلام أحدهما..!
أراد المقاول الصغير أن يُثبت لخصمه صدقه بالدليل القاطع، فضرب له مثلاً؛ قائلاً ما معناه: لو أن أحداً وضعَ ماءً في إبريق، ثم وضع في الإبريق رملاً، ثم وضع الإبريق (الذي فيه الرمل) في الثلاجة، فصار الماءُ بارداً، ثم أعطاك الإبريق لتشرب منه؛ فهل تشرب..؟
هنا قال صاحب البيت: لا.
فما كان من المقاول الصغير إلا أن شعر بزهو المنتصر، قائلاً لخصمه: إذن الدهان “قاطين”..!
أنا لا أعرف هل كان الدهان “قاط” أم “قاطين”، لكنّ الذي أفهمه أن حواراتنا في شؤوننا البينية في القطيف؛ قائمٌ أغلبها على ثنائية الـ “قاط” و الـ “قاطين”.. أو كما يعبّرون بقولهم “حوار طرشان”. كلُّ طرفٍ يتحدثُ بأمر ليس له علاقة بالطرف الآخر، ويظنّ كلٌّ منهما أنه المزهوُّ بنشوة الإفحام.. و “قصف الجبهة”، كما يقولون..!
لا أحد يسمع أحداً في جدال، ولا يدري أحدٌ هل الآخر سمع الأول؟ كلُّ ما في الأمر أن “علك” الكلام مستمرٌّ. وما دام الأمر كذلك؛ فإن الناجي هو من لا يدخل في جدال، والواثق من يترك الضجيج يتنقل من “قاط” إلى “قاط”، ولو تراكم الدهان على الدهان..!
دع “القاط” و “القاطين” يا ولدي.. فلو دخلتَ فلن تخرج بـ “نُصْ قاط”، وستجد نفسك في مقام من لا مقام له، وتُجالد المنتهز والنفعي والفاشل والحاسد والمحسود والكبير والصغير.. “على ما مِيشْ”.. أما في مقام الحوار؛ فلن تجد إلا من رحم الله..!!



