أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من مذكراتي - أوراق الشجر

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 29 يوليو 2018، 8:30 ص
من مذكراتي - أوراق الشجر

ليس من الغرور أن تكتبوا نكات حياتكم وتاريخكم ربما تصبحونَ عظماء.. يسجل الربُّ كل حياتنا وينشرها في لحظاتِ إدانتنا في محكمة الجوارح، تلك العينانِ التي نظرتا والأذنانِ التي سمعتا والقلب الذى سكن كل شيء غرفه إلا الرب لم يكن له مكان.

اعتدتُ الاحتفاظ ببطاقةِ التعريفِ الشخصية التي يقدمها لي من أقابله أول مرةٍ، وفي الفترةِ الأخيرةِ قبل تركِ الوظيفة لم أعد أعتني بالجديدِ منها كثيرًا وكانت سكرتيرةُ المكتبِ تضمها في الحافظةِ بين الفينةِ والأخرى وتراكم الكثيرُ منها فأحببتُ النظر فيها والاحتفاظ ببعضها والتخلص مما لا أريد.

كان خوفي من تذكرِ بعضِ الأسماءِ وما صاروا فيه فأحيانًا كثيرةً يكون النسيانُ أرحمَ من الذاكرة، كُلُّ بطاقةٍ كانت تعني شخصًا له حياةً وأفراحًا وآلامًا واسمًا، وخصوصًا من عرفتهم معرفةً بعضها تجذر وأصبحَ أقوى مما يستجد من معارف.

مرت بطاقةُ "أدريان" الذي كان محبًا للإبداع والتطوير، عرفته في أواخرِ ثمانينياتِ القرنِ الماضي حينما كان يبحث عن ممولٍ لاختراعهِ الذي كان عبارة عن جهاز قياسِ ضغط الإطاراتِ الغاليةِ الثمن أوتوماتيكيًا في سياراتِ النقلِ الكبيرة. لا أدري هل تم له ما أراد؟ ولكن الاختراعَ أصبحَ من مميزاتِ السياراتِ الجديدة في وقتنا الحاضر، ماتَ ادريان سنةَ 2013م بمرضِ السرطان وهو في الخمسينياتِ من عمره.

أسامة: أصابه سرطانُ الرئةِ في ريعانِ الشباب ومات بعد أشهر، أشجاني موته وبناتهُ الثلاث.. كم كنت أُسَرَّ بلقائه وتقاسم هموم العمل معه!

بعدها كانت بطاقة "أوفي"، الشابُ الأوروبيُ الطويل والقوي البنية، كنت أسمعُ الأرضَ تهتز عندما يمشي، انتقل "أوفي" إلى مدينةِ دبي في أوائلِ التسعينياتِ فسحرتهُ المدينة. خرج وصاحبه في سيارةِ فيراري بعد حفلةِ شرابٍ وقادها بسرعةٍ مما تسبب في حادثٍ أودى بحياتهما. علمتُ أن أمهُ وأباهُ حزنا كثيرًا لمصرعه.

عَمْرْ: كان قادمًا من المنطقةِ الجنوبية في أواخرِ الثمانينياتِ بعد ليلةٍ طويلة من العمل. غفا فانحرفت سيارته وتضررت إحدى رجليه. انتقل عَمْرْ للعملِ في مهنةٍ أخرى في بلده مصر، حيث زارني عام 2015م فرأيته كهلًا أعرج بعدما كنتُ أعرفهُ شابًا ممتلئ الجسمِ وطويلَ القامة.

إيرلاند: تعافى من إصابته بالغدةِ الدرقية قبل حوالي خمسِ سنوات وبعدها انتقل وزوجته الصينية وأطفالهم إلى ماليزيا ليواصل مشوارَ عمله وحياته في وظيفةٍ أخرى.

كايل: يسكن مدينةَ هيوستن في حجمِ ولَكْنَةِ رعاةِ البقر. التقيته للوداعِ في رحلةِ الإجازة الأخيرة ولم يعد. أصابته جلطة في الطريق لم يتعاف منها. بكى عندما اتصلتُ به ولم أفهم ما قال.

أوقاتٌ قضيناها وكذلك الأشخاص يشبهونَ أوراقَ الشجرِ في شجرةِ الدنيا الكبيرة التي يأتي عليها الخريفُ فيسقط منهم من قُدِّرَ له السقوطُ حتى يأتي الربيعُ وتنمو أوراقٌ غيرها. يظن النساءُ أن الرجالَ بغضاءَ لا يبكون! بلى هم يبكونَ حتى حينما يرونَ اسمًا لشخصٍ في خيالهم القديم.

ليست الذكرى كلها قاتمةٌ فأحمد وشجاع وهاني وغسان والكثير أصبحوا من ذوي المناصبِ الرفيعة التي كانوا يأملونهَا، وبعضٌ منهم كان يطمح لها كثيرًا ولكن لم يجدها حلوةً كما كان يظنها. البعض ترك العمل لدى الشركاتِ الكبرى وقام بتأسيسِ عملٍ شخصي. هناك مَن ترك العمل نهائيًا وتفرغ لهواياته. الكثير منهم لا يزال فيما كان فيه ولمدةٍ طويلة ومنهم من أنضم لشركةِ أرامكو وفي المجموعةِ التي أعمل معها مما أقل من التواصلِ حيث كانوا يزورونني باستمرار والآنَ ليس مطلوبًا منهم!

التقيتُ أحمد بعدما أصبح ذا منصبٍ رفيعٍ في الشركةِ التي يعمل فيها فهنأتهُ وقلت له: قد تصبح رئيسَ الشركةِ يومًا ما، فقال: أتعرف؟ قلت: لا أخبرني أنت. قال: بصراحة كنت أرغب في المنصبِ الرفيع ولما وصلته لم أجد فيه ضالتي. سألته عن السبب؟ قال: أخرجُ للصباحِ باكرًا وأعودُ والأطفالُ نيام وأستيقظ قبلهم وهكذا أصبحت حياتي كلها عمل. قلت له: إنه قانون العَشَرة، فكلٌّ منا في الحياةِ يحصلُ على عشرةِ أجزاء، إن زاد قسمٌ منها نقصَ الآخر! إما المنصب والقوة أو الراحة والاستقرار.

بطاقتي القديمة كانت معهم. لم يتغير الشيءُ الكثير في الوظيفة ولكن الكثيرَ تغير في جهاتٍ أخرى. كانت فرصةً لي لتحديث المحفظة والذاكرة معًا فاحتفظتُ بما أعتقد أنه يهمني وتخلصتُ من الكثير ممن لم أذكر شخصهم أو لم يحضرني تاريخهم.