أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رد الجَميل

فاطمة الشيخ أحمد · القطيف اليومالثلاثاء 11 سبتمبر 2018، 5:25 ص
رد الجَميل

كنت أراقب وجه أبي عندما علم بأن طيره بقي في بلدتنا ...شعرت كأنما شيء طعن قلبه الصبور.. شعرت بالألم الذي اعتصر قلبه...لم ينطق أو يبدِ اعتراضاً...لكن عيناه اكتفت بالصمت...كنت أراه جبلاً في قوته وصبره وعمق صمته.

حتى عندما علمنا بأنه تم إخراج الطير سعدنا بذلك حتى ولو لم نعلم مصيره حتى وإن كانت أكذوبة لكن الأهم أن طيره مع طيوري في أمان وإن كانت اكذوبة.

كنت أراقبه في أيامه الأخيرة وأطيل التعبد في وجهه خصوصاً ونحن في الهجرة وأخشى فقده..

كنت حريصة أن أعيش معه ومع أمي أجمل اللحظات. وحريصة على تناول غذائي معهما حتى وإن لم أكن جائعة.

كنت حريصة على خدمتهما..ولا أنسى وقت الشاي ولا انسى مزاحه إذا أحضرت له الشاي قبل الوقت بدقيقة (باقي توالناس).

كنت لا أهتم ولا رغبة لي في التفكير في شيء غيرهما..لا عمل لا شيء فهذه اللحظات التي أعيشها معهما هي مستقبلي هي أثمن من كل شي..هي كنز الأيام التي إذا انقضت ستبقى ذكرى لن تعود.

وفي الأيام الأخيرة حدث ما أيقنت به أنني سأفقد أحدهما.

أخفيت خوفي.. وكنت أحدث ربي وأتفكر كيف هي الحياة دونهما؟
كنت دائماً أحدث الإمام الحسين 'ع': سيدي لقد كان والدي خادماً لك... كان ينعاك على المنابر في شبابه.. ولطالما سمعته يحدثنا عن حكاياته وذكرياته أيام المنبر. وكنت أسمع ان صوته كان جميلاً..

كنت دائما أتفكر و أخاطب الإمام الحسين 'ع':
سيدي هل يعقل أن تنسى من خدمك؟!
هل يعقل أن لا ترد له تلك السنين؟!
هل يعقل أن تنساه في أصعب المواقف؟!
هل وهل وهل يا مولاي يا أبا عبدالله؟!

****
وحان موعد الرحيل..
في آخر يوم له معنا في عالم الدنيا. يوم الخميس ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ.

استيقظت كعادتي في الصباح. أعددت لهما الفطور وكانت أمي تشعر بالسعادة عندما تستيقظ وترى فطورهما جاهز وكنت أرتقب بشوق كلمتها المعتادة(ريحتيني ريحش الله من عداريب الزمان).

أعددت الفاكهة.. السلطة... كعادتنا على الغذاء...

كان ذاك الغذاء.. آخر اجتماعنا على مائدة واحدة.. كنت أحيانا اختلس النظر لأتأمل وجهيهما بحب...أسرح في وجهيهما بعشق... وأخفي نظراتي إذا ما لمحاني.

أعددت لهما الشاي الذي يحبانه..

ومع أذان المغرب بدأ الكون ينعى حسيناً.. إذ هل هلال عاشوراء..

انشغلت بالخدمة في المأتم. كان وقتي كله الحسين.. ولم أتمكن من الجلوس مع أفراد أسرتي. كانوا جميعاً مجتمعين مع أبي..شعرت بحميمية تلك الجلسة لكنني اكتفيت بتقبيل رأس أبي وأمي.. ثم غادرت لخدمة المأتم التالي.

عدت لمنزلي.. شعرت أنني لم أجلس مع والدي بما يكفي..ذهبت لأجلس معه قليلاً.. ثم غادرت المكان بهدوء وجلست في الصالة.

تزودت عيناي بخطواته الأخيرة التي لا زالت مطبوعة أمامي.. وهو يمشي إلى الموت مودعاً بصمته...ووصيته الأخيرة لي..لم تكن علامات الرحيل بادية عليه أبداً.. جاء ليتأكد من أن أبواب المنزل مغلقة.

سألني.. لماذا لم تجلسي معنا؟!

فاكتفيت بصمتٍ خجول.

مشى خطواته الأخيرة متوجهاً لغرفته وأوصاني بوصيته الأخيرة.. حبيبتي انتبهي لنفسك ولا تفعلي كذا.. قلت له إن شاء الله.

وخاطب إبنة أختي أوصاها أيضا ببعض وصاياه.

***

*كيف أنعِشُ أبي!!
وضعت رأسي على المخدة... أتفكر في أحوال أبي وأمي.. وأنا أشعر بالقلق.. وأتهيأ للقدر المحتوم في أي لحظة (الله يستر من الغد).

كنت أستمع لقصيدة (أستاذة الصمود) وأطلب من "مولاتي فاطِمة 'ع'" المدد.

خاطبت نفسي...( الله يستر) من سأفقد أمي أم أبي؟!

غفت عيناي وكانت الساعة الثانية فجراً.

أذن الفجر .. وشعرت للحظة أنني غرقت في نوم عميق...استيقظت وإذا بالباب تطرق.
فزعت من نومي.. وإذا بالطارق أمي.. ما الأمر؟!

(بنتي شوفي أبوش شكله سافر).. اختنقت بعبرتها واحتضنتني (ما أبغى ادق على خواتش لا يختلعوا) …

دهشت لم أعرف كيف تكون ردة فعلي. لكنني وجدت نفسي أمام خيار واحد فقط. وهو أن أكون قوية وهادئة.. هي لجأت لي ولن أخيب أملها.

هرعت لغرفتهما.. وكان أبي نائماً بهدوء شديد... ساكن الأنفاس..

هرعت لإنعاشه...فحصت نبضه.. لا أثر له.

بدأت بالضغط على صدره.. وداخلي شعور فظيع.. ما أقسى قلبي..كيف أنعش أبي؟!

ليس بالسهل ولم يخطر على بالي أن تكون أول حالة أنعشها هو أبي؟!

أيقنت من سكونه الرحيل.. لم أستطع أن أكمل الإنعاش خشيت أن ينكسر صدره... خفت أن يخرج دم من فمه...خفت أن يتأذى جسده الطاهر.

. وبدأت ابحث عن حلول.. وكانت الصدفة أن شقة أخي التي كان بابها مفتوحاً طوال السنين.. مغلق! ولو بقيت أطرق الباب لم ولن يسمعوني.

اتصلت بأخي الكبير... لم يرد.
أخي الأوسط... لا جواب.
ابن أخي .. لا جواب.
خالي لا جواب.

تحيرت ماذا أصنع وبمن أتصل؟!

اتصلت على ابن أخي الآخر وأجاب أخيرا.. قلت له إذهب وأيقظ والدك.. قل له بأن أبي متعب.
لم أشأ أن أفجعهم بالخبر..

عدت للغرفة وبقيت مع أبي
توقفت وأنا أرمي بطرفي في المكان أبحث عن روح أبي التي بصرها الآن حديد.
أبحث عنه أين أنت مالي لا أراك؟!

ثم هدأت وقررت أن أعيش معه لحظة أخيرة مختلفة بسكينة وسلام.

أمسكت بيد أبي بعشق..تعبدت في وجهه بدفء.. لم أكن أشعر بشيء سوى دفء يديه التي بادلتني بالدفء... شعرت بروحه صافحتني..شعور لم ولن أشعر به بعد ذلك ابدا.

****
*مصيبة الحسين'ع' أعظم
وصل أخي... ثم بدأت إجراءات الدفن وكان الإسعاف لأول مره يدخل بلدتنا بعد أزمتها.

رحل أبي فجر الجمعة.. في يوم الحسين'ع' الأول...هنا وجدت جوابي.. وأيقنت أن الحسين'ع' لا يترك من خدمه أبداً في اللحظات الصعبة ولا ينساهم أبداً.

كان أمامي يوم شاق... فلم ينتهي المشوار بعد.. أخذوا أبي وبقيت في معركة أخرى.. كيف أنقل لهم هذا الخبر؟! وهم بالليل كانوا معه يتسامرون الحديث واليوم يستيقظون بهذا النبأ العظيم؟!

فلم أجد أمامي سوى مفتاح واحد فقط، سجدت لله أخاطبه: (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).

طلبت منه المدد...والصبر.. فأمامي يوم شاق ويجب أن أكون قوية لأجل أمي..

أعلن الناعي خبر الوالي... واعتلت صوائح تتبعها نوائح.. لم يدفن أبي بعد وكنا في ذات الوقت على موعد مع خدمة الحسين 'ع' .. لم أستطع أن أنشغل بمصيبتي في أبي عن مصيبتي في الحسين 'ع'..

أعلنت حدادي على الحسين'ع' وأخرت حدادي على أبي.

لم تنقطع القهوة ولا الضيافة التي اعتادت أمي أن تقدمها للحسين'ع'. أحببت أن أكون مكانها أعلم انها تكره أن تترك خدمة الحسين'ع'.

عملت القهوة وأخذتها المأتم وقت صلاة الظهر.. قابلت الناس بابتسامتي.. فلم أشأ أن يشعر أحد بعظم فاجعتي.. كنت أستمد قوتي من الحسين'ع' أبكي الحسين'ع' وفي مأتم الحسين'ع' .. أخدم الحسين'ع' .. كان انشغالي بالحسين'ع' ..وخوفي على أمي... سبباً في تخفيف وطأة المصيبة على قلبي.

عدت من المأتم.. وكان الخبر بدأ ينتشر..والبيت يضج من البكاء..

جاءت ابنة أختي وابنة أخي الصغيرتان تسألاني بتعجب
(ليش يصيحوا؟!)
أخذتهم (لشقة) أخي كيما تفزعا.. وكانتا تلحان في السؤال (ليش يصيحوا؟!)
لم أشأ أن أصدمهما بالخبر.. فأجبتهما (يبكون على الحسين 'ع'). ثم سألتهما (شرايكم اسوي لكم فطور؟! )

الكل منشغل عنهما ولم أكن لأجد وقتاً لأنشغل بنفسي عن المسئوليات التي وجدت نفسي أمامها.. ثم علموا بعد ذلك بالخبر..

كنت وما زلت موقنة أن أبي لم يمت.. بل انتقل من عالم إلى عالم وبيني وبينه حجاب البرزخ فقط.
فالميت يستيقظ بموته... ونحن الأحياء رغم حياتنا بغفلتنا ميتون؟!

*****
كان عام البلاء بقينا نتقلب فيه من بلاء إلى بلاء فلك الحمد حمد الشاكرين على كل نعمة أنعمت بها علينا.

تغير كل شيء عندي وأصبحت لا أرى مستقبلا غير أمي.

في ليلة الوحشة كنت في غرفتي ولكنني فجأة شعرت وكأني طفلة صغيرة .. أرغب في النوم بحضن أمي.

ذهبت لها وكانت أختي وابنتيها نائمات معها في غرفة أخرى.

أيقظتها كالأطفال (ماما تسمحي أنام عندش؟!)
نمت بجانبها وأنا أحتضنها.

شعرت أن علاقتي معها أصبحت كالناقة وفصيلها.

وأنني بحاجة لأن أتزود من أمي.. أصبحت أكثر تعلقا بها.. رميت كل مافي الدنيا وراء ظهري ولا أرى غيرها اليوم مستقبلي ((وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [سورة مريم 32[.
- الفاتحة لروح أبي -