أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

"مَا تَشَاوَرَ قَومٌ إلَّا هُدُوا إلى رُشْدِهِم".. وقفة لغوية

الشيخ سمير آل ربح · القطيف اليومالأربعاء 17 أكتوبر 2018، 8:17 ص
"مَا تَشَاوَرَ قَومٌ إلَّا هُدُوا إلى رُشْدِهِم".. وقفة لغوية

قَالَ الإمام الحَسَن المُجْتبى (عليه السَّلام):
"مَا تَشاوَرَ قَومٌ إلَّا هُدُوا إلى رُشْدِهِم".
بحار الأنوار، المجلسي، 75/ 105

يتألف هذا النص الشريف من جملة واحدة، لكنها تحتوي على معانٍ جمة، وهنا وقفات لغوية/ نحوية/ صرفية/ بلاغية، حسبما تسمح به هذه المساحة الضيقة.

* ما: نافية، تدخل على الفعل والاسم على حد سواء، قال تعالى:
" مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ" الشورى: 52
" وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ". غافر: 31
وهي مبنية (حالها حال الحروف).
وتتعدد أدوات النفي؛ فمنها ما هو حرف نحو: ما، لا، ومنها ما هو فعل نحو ليس (وهو فعل جامد لا يأتي منه إلا الماضي).
كما أن بعض أدوات النفي لا تدخل إلا على الأفعال، وهي الناصبة والجازمة للفعل المضارع: لم، لمَّا، لا الناهية، لن.

* تشاور: المادة "ش و ر"،
قال في اللسان: " أَشار عليه بأَمْرِ كذا: أَمَرَه به، وهيَ الشُّورَى... شاوَرَه مُشاوَرَة وشِوَارًا واسْتَشاره: طَلَب منه المَشُورَة".
و" تَشَاوَرَ": تفاعل، وهي لا تكون إلا بين طرفين، نحو تشارك، تفاهم، وهو فعل ماضٍ مبنيٌ على الفتح.
وتَشَاوُر مصدر تَشَاوَرَ، قال تعالى:
" فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا". البقرة: 233.
والشورى مبدأ إسلامي أصيل، قال تعالى: " وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ". الشورى: 38.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "وَمَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا". نهج البلاغة، قصار الحكم، الحكمة 158.
وعنه: " وَلاَ ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ". نهج البلاغة، قصار الحكم، الحكمة 51.

* قَومٌ: فاعل "تشاورَ"، مرفوع.
قال في اللسان: " القَوْمُ: الجماعة من الرجال والنساء جميعًا، وقيل: هو للرجال خاصة دون النساء".
و"القوم" يدل على الجمع، ولا مفرد له من لفظه.
وهو (أي القوم) يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ؛ لأَن أَسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تُذَكَّر وتُؤنَّث، مثل رهط ونفر .قال تعالى: "وكذَّبَ به قَومُكَ" الأنعام: 66، فَذَكَّر، وقال تعالى: " كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ " الشعراء: 105، فأَنَّث.
وتنكير "قوم" في كلام السبط الأكبر، فيه دلالة على العموم، أَيُّ قوم: قلة كانوا أم كثرة، في السفر أم الحضر، في أمر علمي أم عملي، اجتماعي/ أُسَري/ تربوي، أم اقتصادي أم سياسي، دنيوي أم أخروي، بسيط أم خطير، وغير ذلك.

* إلَّا: أداة استثناء.
وأدوات الاستثناء في اللغة تتعدد؛ فمنها الحروف نحو "إلا"، ومنها الأسماء نحو "غير"، و "سوى". ومنها الأفعال: نحو: " خلا"، و"عدا" و"حاشا"، على تفصيل ليس هذا محله.

هُدُوا: الفعل ماضٍ مبني للمجهول، واو الجماعة نائب الفاعل، وهو يعود إلى القوم.
الأصل: هَدَى: هُدِي.
هَدَوا: هُدُوا.
وهو فعل متعدٍ إلى مفعول واحد.
وقد جاء هذا الفعل بصورته في القرآن الكريم:
" وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ". الحج: 24

*إلى: حرف جر.

*رُشْدِهِم: اسم مجرور، وهو مضاف، والضمير (هم) في محل جر بالإضافة، وهو يعود على القوم.
و رَشَد الإِنسان، بالفتح، يَرْشُد رُشْدُا، بالضم، ورَشِد، بالكسر، يَرْشَد رَشَدًا ورَشادًا، فهو راشِد ورَشيد، وهو نقيض الضلال: إِذا أَصاب وجه الأَمر والطريق.

بقي أن أشير إلى أن " مَا تَشَاوَرَ قَومٌ إلَّا هُدُوا إلى رُشْدِهِم "، هو من أساليب الاستثناء، ونوعه مفرَّغ (ناقص منفي)، وهومن أساليب القصر في اللغة (الحصر)، نحو قوله تعالى: " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ" آل عمران: 144، والقصر فيه إضافي؛ وعليه، فإن من أسباب الرشاد (وعدم الضلال) هو المشاورة.