أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

شتاءُ الكلام

هلال الوحيد · القطيف اليومالثلاثاء 20 نوفمبر 2018، 11:36 ص
شتاءُ الكلام

في السنتينِ الماضيتينِ استعرتُ قلمَ الكاتب، بهِ كتبتُ في الإنسانِ المفرد الذي أعتقد أنه من أسرارِ الوجود، إن لم يكن هو سر الوجود. نضحتُ له من بئرِ أفكاري، أوريتُ له زندَ الفكرِ حينًا وحينًا كتبتُ له عن الشتاءِ والربيعِ والصيفْ، متيقنًا أنَّ الكلامَ من ذهب إن صار فعلًا وإلا يبقى الكلامُ ترابَ عالج.

لا تتسع الدنيا لكلِّ من أرادَ أن يهبَ جزءًا من وقتهِ للإنسانِ في مكانٍ واحد، لكن هذا يزوره وهذا يعينه في عيشه وهذا يسعده بقلمه فالإنسان لا يحيا بالخبزِ وحده. كتبتُ في كُلِّ يومٍ وكانت الأفكارُ تأتي حرةً وتقول: "ها أنا ذا اكتبني، ولكن ليس كل من يعرض نفسه تشتريه الناسُ وما كل ما عُرِفَ يُقال وما كل ما قِيلَ حَضَرَ أهله، فكان أن أختارَ ما هو أولى من الأفكارِ التي هي لمن هو مقبلٌ على الدنيا أكثرَ من ذاكَ الذي مرَّ من تحتِ جسرِ عمرهِ كثيرٌ من الماء".

وكما أنَّ العواري تُسترد "ثوبَ العِيرةْ ما يدفِّي وإنْ كانْ دَفَّى ما يدوم" بعد هذه الحلقةُ اليوميةُ الأخيرةُ أعيدُ قلمي لمكانهِ وأستعيرهُ مرةً في الأسبوعِ أو الشهر، ربما اختمرت الأفكارُ أطولَ في المعنى. عملتُ أربعينَ سنةً فيما يشبه العلمَ من الهندسةِ بعيدًا عن القلمِ العام كما هو ديدنُ الكثيرِ ممن يكتب أقلَّ من كتاب وفي هذه السنتينِ كان الكثير مما قرأتُ من نتاجِ المجتمعِ أفكارًا جميلةً، ربما انتظمت في كتبٍ لكن بعضَ أسماءِ وتجاربِ الأدبِ العربي الرائدة لن يسمحَ التاريخُ بنسخها وتكرارها.

يعيشُ كٌلٌّ منا في "الأنا" ويملكها الكاتبُ أكثرَ من غيره. يعتقد أنهُ يصب أنهارًا من الفِكَرِ في أرضِ غيرهِ، ومن حيثُ لا يدري "ما زادَ حَنُّونُ في الإسلامِ خردلةً… ولا النصارى لهم شغلٌ بحنونِ"، لكنه بكل تأكيدٍ أمتعَ نفسه بمخاطبةِ الآخرينَ من وراءِ حجابٍ دونَ أنْ يحصبوهُ بالحجارة، وعندما تتوارى خيولُ أفكارهِ بين الناسِ تنبعث في ثنايا روحهِ البهجة. يخيبُ من يكتب كتابًا ولا يشتريهِ الناسُ، لكن فيما يكتبهُ الكاتبُ مجزءًا عِوضاً عن الكِتَابِ وجرعةً من القراءةِ القصيرةِ التي يُتهم فيها إنسانُ اليومِ أنه لا يقرأ!

كل ذي خيالٍ ناتجُ محيطه ومحكومٌ بضيقِ وسعةِ خيالِ المحيطِ وتسامحه في تركِهِ يعبث بالمناظرِ ويحومَ حولها، ليس من يتغنى بالخمرِ يعاقرها حتمًا، وليسَ كل من يكتب عن غيرِ جنسهِ منجذبٌ إليه لكنهُ من بابِ "يحق للكاتبِ ما لا يحق لغيره". أما غير ذلك فيبقى الكاتبُ مثل الطيرِ الذي انكسر جناحاهُ، يلتقط ما قَرُبَ منه في أرضِ الفكر لا غير. الخيالُ هو النبعُ الذي جعلَ الإنسانَ يحلم أن يطيرَ فطار، أن يسمع ويرى دونِ أذنهِ وعينه فكانَ له ما أراد.

أقُولُ للاّئِـمِ المُهْـدِي مـــَلامَتَــــهُ
ذُقِ الهوى وإن اسطعتَ المَلامَ لــُمِ
وظبيةٍ من ظِباءِ الأنسِ عاطـلــــــةٍ
تَستَوْقفُ العَينَ بينَ الخمصِ وَالهَضَمِ
لو أنها بـفـنـاءِ البـيـتِ سـانـحـــةً
لصِدْتُها وَابتَدَعتُ الصّيدَ في الحَــرَمِ
قَـدِرْتُ مِنـهَا بِلا رُقْـبَـى وَلا حــَذَرٍ
عَلى الذي نَامَ عَنْ لَيلي، وَلمْ أنَـــمِ
بتنا ضجيعنِ في ثَوبَي هوى ً وتقى ً
يلفنــا الشوقٌ من فرعٍ إلى قــدمِ
"الشريف الرضي"