تالي الليل

طالَ الليلُ على السُّمَارِ فقلتُ لهم: جربنا كلَّ شيءٍ في الحياةِ وشبعنا منه سوى لذاتِ الجلوسِ مع الأصدقاء، أنتم مثلَ الزرازيرِ التي تأتي حديقتي كُلَّ صباحٍ عندما تعتدل الحرارة. في حديقتي مرآةٌ تعكس العشبَ والشجرَ والماء، تحط عليها الزرازيرُ وترى زرازير تشبهها وتعاكسها داخل المرآة. لا تنفك تنقر في المرآةِ وتطير حولها وكلما زادت حركتها قالت: حتمًا إن هناك زرازير مثلنا، لكن أنا من ينامُ أولَ الليلِ ويصحو في آخرهِ عندما تتنفس المخلوقاتُ الحياةَ كلها في صمتِ وولهِ العاشقين. في آخرِ الليلِ، لا أسمع سوى همسي، أما أول الليلِ فكأنَّ الدنيا استفاقت على حربٍ لا تستهويني، الناسُ في هرجٍ ومرج، وبينَ أولِ الليلِ وتاليه:
إني أبيتُ قليلَ النوم، أرقني
قلبٌ تصارع فيه الهمُّ والهِمَمُ
قال أحدُ السمار ذلك الشاعر ذاته الذي يقول:
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى
وأذللتُ دمعًا منْ خـلائـقـهِ الكــبرُ
صاحبي هذا هو من يريد أن يعلمني تسطيحَ العقول. له في الحياةِ نظرياتٌ تشبه مقولةَ أن البشر يشبه الشجرَ وكُلَّ شجرةٍ تكون طولَ التي تشبهها وإلا تنافرَ المنظر.
هكذا تكون العقولُ مسطحةً وفي نفسِ الارتفاع، لا خيرَ في القممِ التي تنقد كلَّ شيئ وترغب في التضاريسِ المختلفة من الجبالِ والتلالِ والهضابِ والأوديةِ في الفكر! من المؤسفِ أن مشارطَ الجراحينَ لا تستطيعَ أن تعيدَ خارطةَ وجوهنا وتصوغهَا في نفسِ المنظر. ليس صاحبي إلا رمزًا مفردًا لمن يطالبكَ بدعسِ الفكر، وفي كُلِّ دعسةِ فكرٍ مخرجٌ من الدينِ، أو الثقافةِ، أو الحضارةِ، أو العلم، مداخلَ لا تنتهي، كلها تقول: لمَ لا تصدق؟ لم لا تفكر مثلهم؟ ألا يمكن حدوثَ هذا ولو في الاحتماليةِ البعيدة؟ وهكذا تصبح غريبًا لا تشبههم!
لِكُلِّ نظريةٍ أنصارٌ يرتدونَ ملابسَ الإقناع، صاحبي عنده شهادةٌ عليا من الخارجِ وعَمِلَ في وظيفةٍ راقيةٍ، لكن كل من كانَ خاليًا من قابليةِ التسطيحِ أصبح سقيمًا، مريضًا، يحمل من شكوكِ العقلِ ما نفتهُ التجارب. إن كنتَ تظن أن صاحبي شخصًا تافهًا، اقرأ واسمع وانظر ما يأتيكَ من كُلِّ الدنيا في بساطتهِ وتفاهته، وإن كنتَ تعتقد أَنَّ من السهلِ عليك أن تكون قِمَّةً أو قامةً فلا تتبرمْ أو تحزن إن لم تستطع وكثر أعداؤك، إذ أنَّ فَنَّ تسطيحِ العقولِ برع فيهِ ونسجهُ فنانونَ مقتدرونَ منذ القدم.
قلتُ للسمارِ: عُذْرُ الشاعرِ في قلةِ النومِ قوله:
وَعَزمَةٌ لا يَنامُ اللَيلَ صاحِبُها
إِلّا عَلى ظَفَرٍ في طَيِّهِ كَـرَمُ
أما أنتم فلا تشتكونَ من العزمِ والكرم، اذهبوا لنسائكم وناموا قبل أن يغلقن الأبوابَ دونكم، فكأنكم تضمرونَ:
فَعُدْتُ إلى حكمِ الزّمانِ وَحكمِهـا
لَهَا الذّنْبُ لا تُجْزَى به وَليَ العُذْرُ
تواعدنا على أن ننظرَ إلى الجانبِ الممرعِ من الحياةِ وننبذَ الجانبَ المُجْدِب، وإِنْ جاءَ كانونُ أبرد، تسامرنا وزدنا حماوةَ نارِ الغرامِ علها تكفينا عن نارِ الكوانين. إذ في الحياةِ ملذاتٌ أعذبها أن يجالسَ الرجلُ الرجالَ والمرأةُ النساءَ ينفثونَ ما تخبئهُ الصدور.



