أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ثقافة قلم وخواطر شجن 1-6

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالجمعة 7 ديسمبر 2018، 7:55 ص
ثقافة قلم وخواطر شجن 1-6

دارت أحاديث شيقة وممتعة بيني وبين أحد زملاء المدرسة حول عوالم الأدب والثقافة في بيئتنا القطيفية، فكلما استرحنا من عناء الحصص تجاذبنا أطراف الحديث مجددًا.

ذات صباح وبينما المطر ينهمر بغزارة، أمطرني زميلي بحديث مطول عن تكاثر الأقلام المحلية وتناميها على مستوى الصحف الإلكترونية المحلية، مشيدًا بوفرة المقالات المنشورة يوميًا والمتنوعة كمّا ونوعًا، لافتًا إلى إنتاج فعلها الكتابي بشكل مطّرد، الأمر الذي لم يكن مشهودًا من قبل، وبحسب وصفه بأنها أقلام نابضة بالحيوية تعكس مناخًا تثاقفيًا وتواصلًا مجتمعيًا.

واسترسل في تقليب أسماء الصحف قديمها وجديدها وعدد مميزات كل واحدة عن الأخرى، مؤكدًا على الصفة المشتركة والجامعة بينهما، وهي مساحة النشر المتاحة لجميع الأقلام والمفتوحة لمختلف التوجهات والأعمار، وبحيز ممنوح حتى للمبتدئين والناشئة، ثم انعطف بحديثه فجأة إلى مسارات حادة بل قاسية في التقييم والتصنيف والمفاضلة بين الأقلام، مستعرضًا أسماءً بعينها، مبديًا امتعاضه من بعضها بوضع علامات السلب والأخرى بالإيجاب، تارة يمدح أقلامًا كتبت مواضيع تروق له وفي الوقت نفسه يقدحها لأنها كتبت ما يخالف توجهه ورؤيته؟

وأسهب بعقد المقارنات بين الأقلام، يثني على قلم وينتقد آخر، يعلو من شأن أقلام كاتبات ويحط من أقلام أخريات، ومن جملة ما قال: "حين تقرأ للكاتب الفلاني تحس بأنك تقرأ لقلم ناضج فاهم واعٍ مثقف، بينما ذاك قلمه مشتت، وآخر يزاحم سطوره بركاكة العبارة وبطرح متواضع للغاية، ولكن انظر لكتابات (س) ستقرؤها بسلاسة ويسر وتجني فائدة من مقالاته، بينما كتابات (ص) تتعثر وتتوه في قراءة سطوره ولا تدري ماذا يريد أن يقول، والأدهى والأمرّ إذا قرأت لـ(......) تشعر بالغثيان من سذاجة سرد قصصه، ترهل في اللغة، جمل مفككة وغير مترابطة، وأحيانًا متناقضة، سطور خبط عشواء.

إن صاحب هذا القلم المتردي يريد أن يقدم نفسه قاصًا بأي صورة كانت وهو غير مدرك لآلية الكتابة الصحيحة، ولا يعرف شيئًا عن فن القص! فقط يقسر قلمه قسرًا على كتابة ثرثرات من وحي معايشاته اليومية، يسميها زورًا وبهتانًا مجموعة قصصية، وهي مجرد هذر فضفاض.

إن صاحب هذا القلم لا عتب عليه بل على من ينشر له هذا الهزال! أتمنى من هذه الأقلام المترنحة أن تطلع أكثر وأكثر وتقرأ المزيد والمزيد وتتأمل بعين فاحصة كتابات الأقلام الرصينة الممتلئة خبرة ومعرفة بعلم وصنعة وأصول الكتابة، وما أدري عن سياسة القائمين على الصحف الإلكترونية هل هم على دراية كاملة بأن بعض الأقلام كتاباتها جدًا عادية بل متواضعة، هل هم يعرفون هذا الأمر جيدًا ومدركين لماهيته؟ المفروض يكون عندهم حساسية نقدية تفرز الغث من السمين، أم هدفهم إشراك أكبر قدر ممكن من الأقلام من أجل استقطابهم إلى فضاء صحفهم بغض النظر عن قيمة ما تخطه تلك الأقلام المتهالكة.

وتكمن المفارقة الغريبة بأن بعض الأقلام شقت طريقها للكتابة منذ زمن لكنها لم تتغير، ظلت على نمطيتها المعتادة، مازال طرحها إنشائيًا عقيمًا كأنها تستكتب "حصة تعبير" في المرحلة الابتدائية، كتابات تراوح مكانها لم تتعد مستوى الصحف الحائطية المدرسية، ولم ترتق بعد للنشر في الصحف الإلكترونية، إنها صحف مقروءة من جميع شرائح وطبقات المجتمع بل تعتبر واجهة حضارية للبلد، فيجب أن تعكس أفضل الأقلام.

كم أتمنى أن أرى غالبية كتّابنا يملكون أقلامًا مثقفة ذات مستويات عالية، تدرك حرفية الكتابة أو في حدودها المقبولة على أقل تقدير، ولكن لن أبخس حق كتّابنا المهرة من كلا الجنسين الذين يجبرونك على قراءة مقالاتهم وتقفي جماليات كتاباتهم الرائعة بحب واستمتاع.

حقيقة كم سررت كثيرًا بآراء هذا الشاب الذي يصغرني سنًا بحوالي عقدين ونصف تقريبًا، استمعت إليه بإنصات عميق، وبتأمل وإعجاب بالغين، دون أن أفند آراءه أو أقاطعه برغم إفراطه في الحدية المتطرفة، بل سايرته فيما يقول، وتحفظت على جوانب الغلظة والتحامل غير المبرر تجاه بعض الكتاب، قد يكون محقًا فيما تطرق إليه لكن ثمة تجنٍ على كثير من الأقلام، ورجوته أن يبادر هو بالكتابة طالما عنده هذا الحس النقدي والرؤية التنظيرية، رد بكلمة واحدة: "نحاول"، قلت له: "بادر من اليوم قد تفاجئنا مستقبلًا بأن عندك قلمًا مميزًا أو مغايرًا عن السائد"، قال: "إن شاء الله".

ثم وجه لي سؤالًا مباشرًا ربما مداراة عن الإفصاح لما يخبئه من مداد: "يا أستاذ ما أشوف لك الحين مقالات في قطيف اليوم"، رددت عليه بشفافية أخوية: "الكتابة تحتاج إلى فسحة من الوقت، والوقت مبعثر بين الوظيفة ومشاغل الحياة اليومية، ومجالات الفن، وأيضًا كتاباتي محدودة جدًا، ومتقطعة، والكتابة لا تشاغلني كهاجس يومي، لكني أكتب إذا عنّى شيء على البال أو الخاطر"، ملامح وجهه تقرؤني بابتسامة أسفرت عن تعاطف مألوف "الله يساعدك"، وبلطف منه أفاض مدحًا لكتابات العبد الفقير!

كيف يكون ذلك وهو الذي نزل تشريحًا على أقلام أفضل مني؟ وبكلام مقتضب شكرته بامتنان - ربما كان مدحه مجرد مجاملة لي لا أقل ولا أكثر، فبمثل حديثه الصارم، قد يكون له رأي آخر مستور، لست أدري.

وهل صحيح أحيانًا يكون لنا رأيان متناقضان، ظاهريًا نقدمه مدحًا في وجه الآخرين مداراة الخصام، ورأي آخر في الصدور، ماذا لو طرحنا رأينا المخبوء النابع عن فهم وعلم وبصيرة ونثرناه أمام الملأ، هل نكون في مأمن ممن طاوله نقدنا.

سلوا الأقلام هي من تجيب عن ذلك.