أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الاحتفال بالموت

إبراهيم الزين · القطيف اليومالأحد 9 ديسمبر 2018، 2:51 م
الاحتفال بالموت

شدني ما تفضل به الشاعر مكي آل ناس من أبيات أتت تنتقد ما يجري في مجالس العزاء "الفواتح" لدينا، وكيف أنها فقدت الكثير من احترام حرمة الميت حين قال:

أمسى لسوء سلوكنا
متغيّراً وجهُ الفواتحْ

كانت بوجهٍ ذي وقار
وهيبةٍ للكلِ واضح

واليوم غيلَ وقارُها
بشبا التضاحكِ والتمارح

فعلٌ لعمركَ لا يليق
ومظهرٌ للقلب جارح

هي للعزاءِ فلا تكن
للالتهاءِ وللتمازح

ولقد أتى على هذا الجرح الجديد، وكأنه لا تكفينا الجراح والنتوء التي تتفتح كل يوم.
فما بالنا؟
وما هذا الذي نفعله في مكوننا الاجتماعي وأخلاقياتنا وديننا؟ من وين نرقعها؟ هل من حالات الزواج ومصاريفه وتباعته على مستوى الجنسين؟ أم من حالة التشرذم المجتمعي والأسري وتهلهل الصلات العائلية والأرحام؟ هل من ضياع الشباب وتركهم مقاعد الدراسة والتسكع في الشوارع، وانعدام المشاعر وحس المسؤولية لديهم مما ينتج عنه تبعات سلبية لا حصر لها.

لا نظن أن هناك تقصيرًا توعويًا دينيًا كان أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا لم يتطرق له المسجد أو المنبر الحسيني المبارك، فضلًا عن توضيح جوانب الحلال والحرام والمستحب والمكروه، وما إلى ذلك من تفرعات عبادية ومعاملاتية وضعها ووضحها الشارع المقدس، ورغم ذلك فإن تطبيقنا لما نعقله لا يتعدى حدود الواجبات بالحد الأدنى المطلوب.

وربما يقول قائل: ولماذا هذا التهويل والقضية كلها لا تتعدى مسألة عدد من الأفراد يتواجدون خارج مأتم العزاء جميعهم يشتركون في أمرٍ واحد وهو التدخين أو الشاهي، أو حتى السوالف مما أخذ شكلًا آخر من الضيافة شوه روح المناسبة ومهابتها، وتوافق أن أغرى المدخنين ليتجمهروا حوله ويصبح المكان كأنه مقهى ولكن من دون كراس وطاولات، والأصوات والضحكات تطرق أذان المعزين الذين بداخل الحسينيات.

لقد عددت الأفراد المتواجدين في أحد مجالس العزاء (فاتحة) خارج الحسينية فكان يناهز الخمسين شخصًا كلهم يدخنون وأغلبهم للأسف من أقارب الفقيد أو الفقيدة لا أتذكر، وقد دخل الدخان داخل المكان من كثافته، والمشكلة أنه لا حلول، فما الذي تفعل؟ هل هذا يندرج تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل يتقبل أحد النصيحة؟ ما الذي تفعل وقد أمست المسالة الآن من المسلمات، مثلها مثل الأحاديث الجانبية التي تدور بين أصحاب المصيبة أنفسهم لدرجة أن البعض لا يلتفت حتى للمعزين، وربما يمر أحد هؤلاء المعزين ويسلم على شخص أتى لتعزيته وذاك لم يلتفت له أساسًا لانشغاله بالحديث مع الذَّين بجانبه.

للأسف أصبحت مجالس العزاء مناسبة للاحتفال بالموت وكأن أصحاب العزاء قد استراحوا من ميتهم، وذلك أمر لن يكون خافيًا على أحد، ولن يفرق الناس الآن بين حفلات الزواج وحفلات الموت لأن التجمع الخارجي لا يوحي سوى بأن بالداخل مناسبة سعيدة، والله المستعان.