كلمات لا تنسى

قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...} [الإسراء، الآية: 53].
هل فكرت يومًا في العامل المهم في تأليف القلوب وتبادل إشارات الاحترام والتقدير للآخرين؟
مع عدم إغفال دور العوامل المتعددة، فإن الكلمة الهادئة الصادقة مرسال التعارف وإقامة العلاقات الاجتماعية المؤثرة، وهي تمهد لحالة الانجذاب والمحبة بين الناس لما تحدثه في النفس من شعور الأمان والاهتمام من الآخر، ولذا يحسن بنا مغادرة محطة البخل العاطفي والخرس المانع عن إرسال ما يشعر الآخر بوجود مكانة له في قلوبنا، وهذا لا يعني الاتكاء على الكلمات الرقيقة الجاهزة والتي تخلو من الأحاسيس الصادقة التي يلمسها الآخر في تعاملنا، فالكلمة الجميلة ليست رصًا للأحرف وحدها، بل هي تعبير متناسق يكشف عما يجيش في النفس من مشاعر تجاه مواقف الآخر، فلا يتوقعن تلقي عبارات الحب من يعامل الناس بوجه متجهم أو ثلجي (خال من التعابير) أو يعاملهم بخشونة، فإنه سيقابل بردة فعل عنيفة تمتزج بالنفور منه وعدم استساغته.
ولا يقتصر الأثر الجميل للكلمة الحانية على زمن معين من عمر الإنسان، بل يبقى المرء كالطفل الصغير الشغوف لاستماع الكلمات التي تحوطه بالعطف والحنان، فهي تبلسم جرح كل محزون ومهموم.
وهل فكرت يومًا في العامل الأساسي - هكذا ندعي - الناجم عن الخلافات المتصاعدة والمشاعر السلبية المكتومة أو البارزة والتمترس خلف القطيعة؟
نعم، إنها الكلمة القاسية الجارحة التي تحدث جرحًا في النفس كالسكين الحادة تمامًا، وهذا ما يحذونا إلى حسن الاختيار لطريقة التعامل مع الآخر والكلمات التي نتفوه بها، بما يحقق الهدف المرجو منها ودون أن يلحق منها الآخر أي ضرر نفسي سلبي يجعلنا نندم كثيرًا.
وفي زمن تتأجج فيه المواقف المتصلبة والتراشق الكلامي ولغة البذاءة وإهانة الآخر، ما أحوجنا إلى الكلمة الهادئة الهادفة التي تسكب الاحترام والثقة المتبادلة ولا تتجاوزه أبدًا، فعرض الفكرة ووجهة النظر بسلاسة شيء والتعريض بالآخرين المخالفين لرأيه ورميهم بالجهل شيء آخر يختلف عنه تمامًا.
فلنحذر من وقود الفتن وحطب أحاديث السوء عن الغير وممشى النميمة وتناقل الافتراءات ورمي التهم، والتي تشعل نيرانها الكلمة اللامسؤولة وغير محسوبة العواقب، فتضرم وتشعل الخلافات وتسن حراب المشاحنات لوجود متحدث جاهل ومستمع انفعالي، وبنظرة سريعة لتجمعاتنا الأسرية والمجتمعية المتنوعة سنجد أن السوسة التي تنخر في اللحمة والتعاون والانسجام بين الأفراد، وأفرطت عقد الاحترام وحولته إلى كراهية هي الكلمات المتفلتة واستماعنا الساذج لها، والأنكى والأفظع من الحوارات الساخنة الشفهية هي النقاشات في وسائل التواصل ومواقع الدردشة الكتابية، والتي تجد فيها كمًا هائلًا من السباب الذي يعكس صورة كئيبة؛ لخلوه من أبجديات المنطق الحكيم واحترام الآخر.
فالكلمة حد فاصل ما بين إنبات المحبة والاحترام في قلوب الآخرين وما بين نفورهم منا وكراهية التواصل معنا، فهناك من الكلمات والأساليب الحوارية ما يستفز الآخر أو يثير حفيظته بالتهجم على شخصيته أو أفكاره أو شيء يخصه، فلماذا نستعدي الآخرين ونقيم الحواجز في علاقاتنا بهم؟
فالكلمة غير المسؤولة تسبب لنا تصدعًا في جدار الاحترام، والأريب من ترك ذات الشوكة واتجه نحو الكلمة اللينة التي تترك أثرًا طيبًا في نفس مستمعها، بل وتبقى عالقة في ذاكرته كلما تذكر ذاك الهدوء والراحة النفسية التي استشعرها من كلمة جميلة تفوهنا بها، قد خففت عنه شيئًا من أعباء وصعوبات الحياة.
الرقابة الإلهية على كل ما يصدر منا يشمل ما نتلفظ به من كلمات حسنة أو مسيئة، وينعكس هذا الحذر على النفس فتراقب كل كلمة رقابة ذاتية قبل أن تنطلق ونتحمل المسؤولية ونأخذ بعين الاعتبار نتائجها.



