أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

في نوحِ الحَمَامِ حِمَامُ

هلال الوحيد · القطيف اليومالثلاثاء 18 ديسمبر 2018، 8:01 ص
في نوحِ الحَمَامِ حِمَامُ

توحشنا رؤيةُ الغرابِ ويبكينا هذيلُ الحمامِ دون أن تعلمَ تلك الطيور أيَّ خانةٍ نضعها فيها. فلو عرف الحمامُ أن البشرَ يعدونهم رمزَ السلامِ قالوا لهم: اختاروا جنسًا آخر رمزًا للسلام، فأنتم البشر لا تحبونَ السلام. نحن نصر على رمزيتها لا حبًا في الحمام ولكن توقًا السلام!

في حديقتي قبيلَ طلوعِ الشمسِ
في كانون انثر بقايا خبزِ المساء
قليلًا ثم تأتي قمريةٌ تعرف المكانَ والزمانْ
لا تستطيع منعها حدودٌ أو قيودٌ
تأكل الخبزَ ثم تطير حيث شاءت
لكنها تحفظ العهود وتأتي يوم غد

غار أبو فراسٍ الحمداني في أسرهِ من حريةِ الحمامِ حين أسرهُ الرومُ في إحدى المعارك التي خانه الحظ فيها، فوقع أسيرًا سنة 347 هـ (959م) في مكانٍ يُعرف باسم "مغارة الكحل". قال الصاحب بن عباد: بُدئ الشعرُ بملكٍ، وخُتم بملك، يعني امرأَ القيسِ وأبو فراس. ومن أجملِ ما قال أبو فراس شعره في أسرِ الروم "الروميات"، عَذَّبَ الحبسُ جسده وأضعفَ روحه فقال ما قال من جميلِ الشعر:

أقُولُ وَقَدْ نَاحَتْ بِقُرْبي حمامَةٌ:
أيا جارتا هل تشعرينَ بحالي؟
معاذَ الهوى! ما ذُقتِ طارقة َ النوى،
وَلا خَطَرَتْ مِنكِ الهُمُومُ ببالِ
أتحملُ محزونَ الفؤادِ قوادمٌ
على غُصُنٍ نائي المسافةِ عالِ؟
أيا جارتا، ما أنصفَ الدهرُ بيننا!
تَعَالَيْ أُقَاسِمْكِ الهُمُومَ، تَعَالِي!
تَعَالَيْ تَرَيْ رُوحاً لَدَيّ ضَعِيفَة ً،
تَرَدّدُ في جِسْمٍ يُعَذّبُ بَالي
أيَضْحَكُ مأسُورٌ، وَتَبكي طَلِيقَة ٌ،
ويسكتُ محزونٌ، ويندبُ سالِ؟
لقد كنتُ أولى منكِ بالدمعِ مقلةً؛
وَلَكِنّ دَمْعي في الحَوَادِثِ غَالِ!

وأبكت القمريةُ قيسَ بن الملوحِ النجدي فقال فيها وفي ليلى العامريةِ التي نشأ معها وعشقها فرفضَ أهلها أن يزوجوها به، فهام على وجهه ينشد الأشعارَ ويأنس بالوحوشِ ويتغنى بحبه العذري، فصارَ حينًا في الشامِ وحيناً في نجدٍ وحينًا في الحجازِ لا يقره قرار:
أَلا يا حَمامَي بَطنِ نَعمانَ هِجتُما
عَلَيَّ الهَوى لَمّا تَغَنَّيتُما لِيا
وَأَبكَيتُماني وَسطَ صَحبي وَلَم أَكُن
أُبالي دُموعَ العَينِ لَو كُنتُ خالِيا
وَيا أَيُّها القُمرِيَّتانِ تَجاوَبا
بِلَحنَيكُما ثُمَّ اِسجَعا عَلَّلانِيا

ورثا أبو المناقب شمسُ الدين محمود بن أحمد الكوفي الشهير بالحنفي مدينةَ بغداد ولم ينسَ الحمام:
ويذيب روحي نوحُ كُلِّ حمامـةٍ
فكأنما نـوحُ الحمـامِ حِمَـامُ
إن كنت مثلي للأحبةِ فاقـداً
أو في فـؤادكَ لوعـةٌ وغـرامُ
قِفْ في ديارِ الظاعنينَ ونادها
((يا دار ما فعلت بـكِ الأيـامُ؟))

نحنُ البشر من يصنع الحزنَ والفرحَ والسلامَ في النسبة القريبة وليس الحمام، فإذا أردنا الراحةَ والبهجةَ دفنَّا كل الخنادقِ واسكتنا كل البنادق، وإذا أردنا الحربَ امتطينا ظهورَ الخيلِ وامتشقنَا الحسامَ، حينئذٍ يكون في نوحِ الحَمَامِ الحِمَام.

يأتي يومٌ في الدنيا تصمت فيه كُلُّ البنادق، وحتى يأتي ذلكَ اليوم، لابد أن ينبعَ السلامُ من الإنسانِ الذي هو مركز كرةِ الكونِ ويشع السلامُ نحو محيطها ما أمكن "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".