أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أراذل العمر

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالأربعاء 26 ديسمبر 2018، 4:10 م
أراذل العمر

قـال الله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ {يس الآية ٦٨}.

محدودية أعمارنا مهما امتدت بنا السنون وطالت، حقيقة قد تغيب عنا في وسط الانشغالات وتعقيدات الحياة وزحمة العلاقات التي تربطنا بالآخرين، سنة إلهية تجري علينا والرحيل والانتقال إلى عالم القبور لابد منه، ولو تفكرنا فيها ووعيناها وعملنا طبقًا على مفادها لما وقعنا في حبائل أطماع النفس ونزواتها، والتي تجعلنا عبيدًا للمال والوجاهات، والتي ما هي - في الحقيقة - إلا متاع زائل سنرحل عنه ولن نأخذ منه إلى قبورنا شيئًا، فهل سمعت عن أحد ألحد بجانبه ثرواته وعقاره، أم خرج من الدنيا خالي الوفاضين إلا من عمل يصحبه لليوم الآخر؟

وهذا العمر - على محدوديته - لن نقضيه بنفس المستوى من القوة والفتوة، بل نحيا في أواخر عمرنا مرحلة الضعف التي تصيب جسمنا، وهو ما أسمته الآية الكريمة "النكس" أي مرحلة الوهن في عقله وجسمه، والتي تعتري الإنسان مرة أخرى في مرحلة الشيخوخة بعد طفولته، فما كنت تراه من ضعف الإنسان في مرحلة الطفولة واعتماده على والديه في أكله، إذ لا يكون قادرًا على تناول الطعام، فضلًا عن المشي لخطوات، كذلك هي دورة الحياة تنتقل في دورتها من ضعف الطفولة إلى فتوة الشباب اليافع ثم تعود مجددًا إلى الوهن في بدنه، وهذا التنقل آية للمتبصرين يتعرفون فيها على عظمة الخالق، فهذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى تدل على يد القدرة والعظمة الإلهية، ولعل هذا المفتون بالدنيا يكون وهنه رسالة رادعة له عن الغرور والتكبر والانخداع بقوته ظاهرًا.

إن جلسات التأمل فيما حولنا من آيات الله تعالى وأنفسنا تورث الإنسان التعقل والوعي في كل جوانب حياته، وإن وقفة أمام هذه الحقيقة لتحدث تغييرًا في تصور الإنسان لعمر محدود لابد من الرحيل بعده، لتعطيه رؤية واضحة لدوره في الحياة، يعمل من خلالها على التطلع الدائم إلى إعمار الدنيا بعمله الصالح والتزود منه لآخرته، فما عساك أن تقول لمن يبدد أوقاته ويصرفها خارج قناة التأهب لميعاده، فلا يعتبرها شيئًا ثمينًا لا يعوض يخسره؟

فالوقوع في ذل الأهواء دلالة على ضعف العقل واتباع الشهوات وعدم انقياد النفس لزمام العقل الواعي، فمن توفيق الإنسان أن تكون له همة عالية تدفعه نحو حصاد العمل الصالح في كل جوانب حياته وعلاقاته، فيما يقصد به وجه الله تعالى مخلصًا من كلمته واستماع الحكمة والتفوه بها وحتى نومه الذي ينوي به التقوى على الطاعة وتجديد النشاط، وأما المضيعون للفرص السانحة أمامهم ولا يرون في قوة بدنهم وأموالهم وفكرهم فرصة لتوظيفها في محراب الطاعة الإلهية، فقد خاب مسعاهم وسيرون في يوم الجزاء حصاد لهوهم وتضييعهم للفرص.

وأعمارنا المحدودة تعطينا إشعارًا بالمبادرة إلى أداء التكاليف علينا، فإن كان التسويف وتأجيل الأعمال صفة سلبية، فإنها منا أكثر سلبية لمباغتة الآجال ومحدودية الأعمار، ولا أضر علينا من مكر الشيطان بتسويف التوبة والاستمرار في غينا وتجرؤنا على حرمات الله تعالى، فلنتمسك بزمام المبادرة ونباغت عدونا الرجيم بسرعة الالتصاق بمحراب العبادة.

وإن الألطاف الإلهية على الإنسان كثيرة لا تحصى، ومنها هذه العلامة التي تؤذن بقرب الرحيل فليستعد للقاء الله عز وجل، فظهور علامات كبر السن من ظهور الشيب وضعف البدن جرس إنذار وتحذير له، فليحاسب نفسه ويقضي ما عليه من حقوق تجاه ربه والناس، مستشعرًا المسئولية وكأن اليوم الذي يحياه آخر أيام عمره، فينفض عنه الكسل والتسويف وتضييع الأوقات في اللهو، فليس هناك من متسع للوقت ليقضيه فيما لا طائلة مرجوة منه، كما أن العيب - وإن قبح صدوره من كل أحد - إن بقي ملازمًا له ومستمرًا على فعل المعصية دون ارتداع، لهو حجة قوية تقام عليه، إذ أن هذا العمر المديد مرت عليه من الدلائل والآيات ما كان كافيًا للارتداع والانزجار، ولكن الغفلة المتمكنة منه جعلته أسيرًا وذليلًا لشهواته سنين متطاولة، أفلا ينظر إلى شيبه ووهن بدنه فيخاطب نفسه: متى ترعوي وتكفي عما أنتِ عاكفة ومقيمة عليه ردحًا من الزمن؟!