عَاقبني لِتؤدبني لا لِتؤذيني

لكل منا طُرقه الخاصة في التعامل مع العقاب الذي أصبحنا حينما نسمعُ به يتراءى لنا أن هنالك ذنبًا حصل وألمًا سيكون لا محالة.
لِنتكلم عن عقاب الأطفال الذين هم في الغالب لا يستطيعون تبرير أفعالهم ولا رد ما يُصِيبهم لِضعف قِواهم وبساطة تفكيرهم.
لابد من العقاب لِلردع ولابد من تصحيح المسار لكي لا تميل الوجهة ولا يتغير الطريق ولو كان طفلًا صغيرًا فهو أيضًا بحاجة لينال العقاب!
لكن يَا ترى ماذا يجب أن يكون هذا العقاب الذي لن يَسلم منه حتى الطفل الصغير؟
سَأُقسِّم الأطفال هنا إلى قسمين؛ أطفالٌ نظرية غير مدركة وأطفالٌ نظرية وسمعية بدأت تُدرك.
أما الأطفال النظرية فهم الأطفال إلى سن السابعة وهؤلاء حتمًا سَيُخطئون لا محالة ولابد من عِقابهم لتصحيح المسار ولكي لا يَشِبون عليه.
لكن السؤال هو؛ كيف لي أن أُعَاقب هذه البراءة التي لا تُدرك؟
هل يا ترى أَضربهم لِيتألموا أم أُخيفهم لِأُبْكيهم؟
نعم عزيزي هم يحتاجون العقاب لكن ليس العقاب الذي في ذهنك هم يحتاجون عقابًا يُؤذبهم لا عقابًا يُؤْذيهم.
فعندما تَرمي طِفلتك بقايا طعامها على الأرض توجه إليها واجعلها ترى ما يجب فعله تجاه بقايا الطعام ، التقطه من أمامها وأخبرها أنها فتاةٌ نظيفة وأنها لن تكرر هذا مرة أخرى وأنت هنا تُريها نظريًا وتُحاكي عقلها الباطن "تربية قبل العقاب".
إن كررت الفعل ثانية فَكَرر أنت أيضًا ما فعلته لكن بِجعلها هي من تلتقط بقايا طعامها من الأرض إلى سلة النفايات واثنِ عليها لِتحاكي عقلها الباطن أيضًا ولو كانت دون الإدراك "عقابٌ لأجل تربية".
الأطفال النظرية والسمعية الذين بدأوا الإدراك (7-14)، النظر هنا أيضًا هو من المؤثرات التي تؤثر عليهم بل إن الحواس كلها قادرة على أن تؤثر عليهم.
من الطبيعي عندما يخطئ الطفل في هذا السن فهو لا يدرك ماهية الخطأ بدقة فعقله مازال في طور النضج ودون الاكتمال.
ويجب أن يكون التأديب هنا بالتَنبية أولًا وبالإيضاح ثانيًا، بصيغةٍٍ ولغةٍ تتماشى مع مُعْطياته وتوضحُ له بدقةٍ ولينٍ عثراتِ خطواته لتُنير عقله وتطور فكره "تربيةٌ قبل العقاب".
فالكثير ممن هم في هذا العمر يكونون متأثرين نظريًا وسمعيًا دون فهمٍ ولا إدراك لما يرون ويسمعون ولا سيما في زمن الانفتاح، فعقولهم الصغيرة إلى الآن لم تصل إلى ما وصلنا إليه من إدراكٍ وفهمٍ ومعرفة!
إنارة العقل بالنصائح ربما وحدها لا تكفي مع البعض لِلردع ولا سيما إذا كان عنيدًا، لذلك سوف نحتاج إلى "العقاب لأجل التربية" فلابد من رادع لعدم تكرار ما كان وما سيكون من تصرفات غير مقبولة ولابد أيضًا من استغلال العقل الباطن لِتغيير سلوكه مستقبلًا.
ويكون ذلك بأن تُخاطبه بعد عقابه بالكلماتِ اللينة والمُحفزة وأن تُظهر له ثقتك به في كل مرة حتى لو لم يتكرر الخطأ.
ربما أنت تعتقد أنه لا فائدة من التكرار والإعادة في حضرة الطفل العنيد الذي لا يسمع الكلام وإن كل شيء انتهى بنهاية النصيحة له أو العقاب "الكلام يدخل منا ويطلع منا".
ثق تمامًا بأنَّ كلماتك الجميلة وأحضانك اللطيفة وثِقتك التي تعتقد أنها في غير محلها هي كلها موجودة بِداخله في عقله الباطن الذي بدوره سيَتثبُتها حين تكرارها وسِيُرسلها إلى العقل الظاهر لِتراه بعد ذلك مختلفاً تمامًا عما كان عليه سابقًا.. فكلما بذلت الوقت والجهد لأجله كلما زادت سرعة نُضوجه وتطوره.
وحين يتكرر الخطأ كرر ما يجب عليك فعله من تنبيه وإيضاح ونصيحة وبإمكانك أن تُغير طُرق عقابه الذي اتفقنا أن يكون للتربية والتأديب لا للإيذاء مع إخباره بذلك كونه في طور النضج والإدراك ومع استمرارك في استغلال عقله الباطن إلى أن ترى الأثر.
القول اللين هو امتداد للنهج الإلهي المتبع مع المخالفين والمشركين وهو سيكون جيد جدًا" عندما ينبع من قلب محب لأن فيه تتحرك المشاعر وتظهر العواطف وتتغير المسارات بسرعة.
الإنسان في هذه الحياة يتعلم من كل ما حوله ولا شك عندي أن الأخطاء أحد الأشياء التي يتعلم منها الإنسان، لذلك نحن يجب أن نكون مربين قبل أن نكون معاقبين.
وأفضل الأشياء المربية للطفل هي الأب والأم حينما يكونون قدوة جميلة إلى أولادهم، وأسوأ ما فيها هو أن نُعاقب بغضب وأن نُقارن بجهل وأن نُميز بغباء.
التربية شيء صعب جدًا والعقاب المختار فيها أصعب لأنه إما أن يبني أو يهدم.



