أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مغلق

هلال الوحيد · القطيف اليومالجمعة 11 يناير 2019، 9:11 ص
مغلق

للناسِ فيما يعشقونَ مذاهبٌ، ومذهبي في الشهورِ شهر كانون. علقت في طاسةِ رأسي وذاكرتي منه ذكرياتٌ لو كتبتها طردني الناسُ وقالوا: مجنونٌ؟ عبثًا عشتَ في غيرهِ من الشهور! في الحياةِ نغماتُ نايٍ وأوتارُ عودٍ تُطرب سمع بعضنا وتبكيه، وبعضنا تفرحه، وبعضنا لا هذا ولا ذاك!

قال صاحبي: فيه كبرتُ وشاخت بي الأيام، قلتُ له: ليس ذنبك، أنت لم تكبر ولكن الأيامَ كبرت. في دورةِ الحياة تُسقط الأشجارُ أوراقها وتتعرى وتفقد جمالها وهي ليس لها من الأمرِ شيء، وليس إلا لتجدد زينتها ونضارتها. إن كنتَ تخاف الأملَ وتحسب أن هذهِ الكلمات هراء، لا تقرأها بل اركلها برجلك وكأنها من الأوراقِ العبثية التي طارت يومَ أمسٍ في رياحِ الشمالِ الباردة واصطدمت في وجوهنا. لا بد لبعضِ الكلماتِ أن يكون ما في داخلها خالٍ من الدينِ إلا دينَ الحب، ومن السياسةِ إلا النظام، ومن المجتمعِ إلا الإنسان.

أعدادُ الأيام والليالي أرقام تخيفنا وتميتنا وليس لنا فيها شيء من الخيرة، لكن ما نملأ به دلوَ الأيامِ هو ما لنا فيه الاختيار. ولكن أنا ممن يعتقد أن من يسير نحو نقطةٍ أو هدفٍ في الحياةِ صباحًا يلاقيهِ في المساء، وبعكس كل المحاور المكانية لا تسمح لنا الساعةُ بالعودةِ فيها فلابد لنا عند الحركةِ أن نكونَ في كل نقطةٍ أقرب منها للنهايةِ عن البداية. عزمت لصديقي أن ألاقيهِ عند المائة سنة وبعدها يأتي وحين يطرق البابَ ربما يأتيه الجوابُ، وليس أكيدًا: البابُ مغلق، إن القوم قد رحلوا!

ربما ينفعنا إذا كنا في الشتاءِ أن ننتظرَ الربيعَ وفي الربيعِ أن ننتظرَ الصيف، ولا نتوهم أن هذه فكرة سخيفة، بل هي أجسادنا وأرواحنا تحتاج إلى شيءٍ من الزمنِ في المستقبلِ لكي تمشي إليه وإلا ماتت. ليس عندي في هذا اليوم إلا جرعةً زائدةً وليست زائفةً أنَّ من يمشي نحو الصحةِ يلاقيها، ومن يمشي نحو المالِ يلاقيه، ومن يمشي نحو الكمالِ يلاقيه، ومن يمشي نحو اللا شيء يلاقيه، وهكذا الأيام كيف أردناها تكون!

اكتب على بابكَ: "مغلق إلا من الأمل"، واغمض عينيك وفكر كم مُرَّةً ستكون الأيام إن لم نعطيها الأملَ بأن غدًا نكون أصحاء، وغدًا نكون أقوياء، وغدًا نكون أغنياء وعندما تنتهي الأيام تكون بردًا وسلامًا. وليس عليك إلا أن تضيفَ قليلًا من الأفعالِ لهذه الكلمات:

أعللُ النفسَ بالآمالِ أرقبها
ما أضيق العيشَ لولا فُسحة الأملِ
لم أرتضِ العيشَ والأيام مقبلةٌ
فكيف أرضى وقد ولت على عجلِ
غالى بنفسي عِرْفاني بقيمتها
فصنتها عن رخيصِ القدْرِ مبتذَلِ
وعادة السيف أن يزهى بجوهرهِ
وليس يعملُ إلا في يديْ بطلِ
"الطغرائي الأصفهاني"