لوحة ودراسة نقدية

من المُسَلّمات التي يتبعها بعض الفنانين للتعبير عن أفكارهم وآرائهم وتوضيح ما يقدمون من رؤى مستقبلية كاستشراف المستقبل أو استنهاض معرفي أو ثقافي أو استحضار التراث والتاريخ لاستقبال واستثمار العبر والأفكار التي تناسب المحيط وترتقي به، والرؤى البصرية متنوعة الأساليب والتقديم كل بحسبه.
فالعمل الحديث قد لا يفهمه البعض أو لا يعجبه أو يستنقصه وذلك إما لقصر في الثقافة أو لعدم الاستيعاب في المضمون أو لتأطير الفكر بمدرسة معينة لا يقبل غيرها، كل ذلك لحضور معارض معينة أو اتخاذ هوى مذهب لا يستطيع أن ينحاز عنه فكريًا أو قراءات جُبِل عليها، ولست هنا للتمجيد بالعمل بقدر ما نعطي التحليل التشكيلي مقامه وجوه ومقداراً للقيم الفنية من مساحة معمقة قدر الإمكان.
من هذا المنطلق نحلق في فضاء أحد الأعمال الحديثة لكاتب السطور؛ واللوحة التي حملت عنوان (رؤيتي) انطلقت من تزاوج بين الماضي العريق للموروث الشعبي القطيفي والمستقبل المشرق للأمل والصعود والانطلاق للعلو لرجوع الشباب من غربة الدراسة واستلهام هذه الإنجازات وبلورتها.
كما أن العمل هو نقلة نوعية لأعمال سابقة حملت بين طياتها الملابس وخاصة القديمة كالسراويل ومشمر الوالدة وارْداها الأسود المُحَلَّى بالأحمر الداكن الموجود في أسفل اللوحة، كما حوت التراث بأقسامه الأربعة حيث العادات والتقاليد والفنون الشعبية والأدب الشعبي والمعارف الثقافة المادية.
وما تتامله على يمين اللوحة من تأثيرات الجص الذي دوّن به فنانوا وأساتذة البِناء من زخارف وما نحتوه من نقوش وما أبدعوه من تفاعل معرفي بين الحاجة والجمال.
وقد قسمت هذه اللوحة ذات المقاس متر في مترين إلى عدة أقسام طولية وعرضية وهمية أي غير مرئية:
الأقسام العرضية ثلاثة الوسط وهو البؤرة أو النقطة المحورية في العمل وأخذت صورة شخصية لصاحب العمل وتركزت على عينيه الغائرتين في نظرة مخفية وقد تكون غامضة للوهلة الأولى ولكنها مرت على عدة مراحل فالأولى كانت الصورة ضبابية وغير واضحة إلا أنها أعطيت أهمية ودقة أكثر في المرحلة الأخيرة لتركيز المشاهد على الرؤية والتفاعل مع النظرة الفاحصة لكاتب هذه السطور التي جمعت في النقطة المحورية للوحة بالمدرسة الكلاسيكية وما حولها للمذهب التجريدي الحديث، مع ضربات الكولاج المتوافقة مع روح المرحلة والحيثية المراد توثيقها في طيات العمل، من رموز وثيمات تراثية باستخدام بعض طرق الطباعة بالإستنسل والقوالب وألوان غارقة في عصور الزمن بالجرافيك ونغمات المواويل وصيحات البحارة قد لا يسمعها من لم يدرب عينيه على الإيقاع اللوني والموسيقى التشكيلية للعُرَب بدرجات الأزرق البحري والأخضر العشبي تحت أعماق الخليج.
والمساحة السفلية وهي الأرضية الممتلئة بنواح وجدانية ورسائل تخدم الظروف المحيطة بمجتمع الفنان وبيئته بل هو ينقل هواجس مجتمعه وتوثيقه للأجيال التي بعده ولو بعشرات السنين.
اللوحة لكاتب السطور محمد المصلي الحاصل على شهادة مشرفي الفنون في المملكة عام 1993م نائب رئيس جمعية الفن التشكيلي بالشرقية، عضو اللجنة المنظمة لملتقى عشتار الدولي، صاحب منتدى ومتحف المصلي.
اشتغل المصلي بالمشاركات الفنية منذ التحاقه في عام 1974 بمعهد التربية الفنية، ثم حصل على الكلية المتوسطة عام 1988 ثم البكالريوس عام 2004.. أقام معارضه في الخبر وتاروت والدمام وفلوريدا وأوريغون بأمريكا.




