همسات السوء

كم من البيوت قوض عمدها وانهار صرحها الجميل بسبب كلمة غير مسؤولة صدرت من شخص لما يتوقع انتشارها كالنار في الهشيم، أو قالها من يغتاظ من السعادة الساكنة في الأسر المستقرة، فيحركه حقده نحو إنهاء تلك المعالم من خلال تجذير الفتنة والخلافات، والتي لا تحتاج إلى أكثر من نقل خبيث مقصود تتلقاه أذن إنسان بسيط لا يعي بخطورة كلمات السوء المتضمنة للافتراءات والتخرصات.
هذه الظاهرة السلبية الهدامة نتوارثها جيلًا بعد جيل دون تفكير في مساوئها وآثارها السلبية، حيث إن العلاقات الاجتماعية الإيجابية والتعاون وتبادل الاحترام والثقة بين أفراد المجتمع هو عنوان الازدهار والتنمية المجتمعية، وهمسات السوء معول هدم وانكماش للتكاتف والتفاهم بينهم، وتبرز علائم الكراهية والاحتراب والتبلد الوجداني تجاه معاناة وهموم الآخرين وخلق جدر تفتت المجتمع.
والأفظع من ذلك توظيف الأولاد الصغار في عملية تتبع الغير ونقل أحاديث السوء، في سلوك يعد هتكًا لبراءتهم حيث تنمو فيه صفة سيئة وهي النميمة، فبدلًا من تربيته على احترام الآخرين ومن ذلك كف السمع واللسان وتنزيهه عن التلصص والامتناع عن المشاركة فيها، وإذا بهم يجعلون منه قناة لإيصال الخصوصيات وأسرار وأخطاء الآخرين.
ويتفنن المعتاشون على الفتن وخلق الخلافات والصراعات في تنويع أساليبهم الشيطانية، ما بين نقل الأحداث المزيفة المكذوبة أو العثرات الخافية أو تداول أسرار البيوت بسهولة شرب الماء، وبلا شك أن الهمسات الشيطانية خطيرة في تداولها وبثها، ولكن الأدهى من ذلك هو أن تلقى آذانًا صاغية لها وتروج وتنشر ما يسمع في المجالس الخاصة والعامة.
وهناك من الشخصيات من يتصف بالبساطة والسذاجة فيصدق ويتقبل كل ما يقال ويطرح من كلمات مسيئة لا يقبل أن يكون طرفًا متعلقًا به، وما يفترض علينا هو تحمل المسؤولية عن جوارحنا فلا نخوض مع الخائضين فنندم كثيرًا يوم القيامة على تفريطنا في الحقوق الأخوية، فلنتوخ الحذر ونأخذ الحيطة بالتوقف عن المشاركة في همسات السوء حديثًا ونقلًا وبثًا، فلا نعلم بما نجره لأنفسنا وللآخرين من آثار وخيمة تستفحل حيث لا يمكن احتواؤها أو إخمادها.
والكشف عن مدى تأثير القنابل الموقوتة المتناثرة في المجتمع ولا يمكن التنبؤ بحجم أضرارها على الجميع، ولكن بالتأكيد لها تأثير على من يرهفون ويصغون سمعهم للقمامات والنفايات الكلامية ويستأنسون بتناقلها، فلا يعون حتى يحدث الخراب.
ويضعف ضرر همسات السوء مع وجود ثقافة مجتمعية تتمسك بتنزيه النفس والجوارح عن القاذورات، وعدم السماح لمن يتحدث أمامهم بالتعرض لأحد بسوء واستباحة شخصه.
وهناك من يضع في ميزان حساباته وضعه ومحيطه الاجتماعي، فيجعل محبوبيته ومقبوليته المعيار الأوحد، ويبدي استعدادًا للخوض في حديث السوء ظنًا منه أنه يحافظ على موقعيته، فيجاريهم ما دام في جوارهم ورفقتهم فيسيء لمن أبغضوه ويجل ويحترم من وضعوا له مكانة، فحرمة الاعتداء المعنوي على الآخرين التي تقرها الشريعة والقوانين والأعراف والآداب الاجتماعية، تنحى جانبًا وتحل بدلًا منها المصالح الضيقة والحسابات النفعية.
وهذا التأثير للفقاعات والشائعات التي تنفثها ألسنة النار الملتهبة بالحقد، لا يعني الاستسلام لسيلها والخضوع لنتائجها، فلا يجعلها تنكفئ وتخمد إلا إيمان الفرد برب لا تخفى عليه خافية، ثم ثقته بنفسه وإيمانه بما يمتلكه من قدرات يشق بها عباب السبل لتحقيق مراداته، دون أن يلتفت لذاك الزبد الذي يذهب جفاء، وتنقش على الحجر الأصم ما أنتجه وأنجزه من عمل أو دراسة تخلد ذكره.
ومما يمكن التطرق له كسبب يؤدي إلى إثارة الخلافات هو الجانب النفسي عند البعض، والذي يسعى إلى إيجاد مكانة اجتماعية له وجاذبية تجعل الناس تتحلق من حوله، إنه طرح الأحداث الساخنة والتفاصيل المثيرة التي استطاع الحصول عليها كسبق صحفي كما يقال، فيثير جوًا من التلذذ بما يطرحه مما يثير فضول البعض، وهنا تحضر ثقافة حقوق الآخرين والوعي بالآثار الاجتماعية السلبية التي تحدثها مثل تلك البلبلات والإثارات المقيتة، فضلًا عن الأثر الأخلاقي عند المتحدث والمستمعين الذين يخوضون في خصوصيات الآخرين، فليس هناك من داع لإقحام أنفسنا في مثل هذه الظواهر.



