أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لا أثق بأحد!

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالسبت 2 فبراير 2019، 5:42 م
لا أثق بأحد!

تلقي المواقف الصعبة في الحقبة الماضية ظلالها على النفوس وتشكل حاجزًا أمام الانطلاق نحو المستقبل بهمة عالية، وتهتز مشاعر المرء ويصاب بالتخبط في حساباته وعلاقاته، وكأنه دخل في دخان كثيف فلما يعد يبصر ما حوله ولا يستطيع التقدم خطوة أو التأخر، وتعمل الحالة النفسية السيئة حينئذ على التشكيك في كل من حوله من أصدقاء لمجرد موقف مخادع من أحدهم، ويعاف الشروع في أي عمل لإخفاقه فيما سبق بل ويشكك في قدراته!

مواجهة منعطف عاطفي أو إخفاق في عمل أو دراسة يشكل صدمة تهز وجداننا وتشوش عقولنا، فليس من السهل تقبل طعنة في الظهر وجهت لنا من يد طالما أكرمتها وأحسنت إليها، فحتى وإن كنت يومًا تتوقع موقفًا مؤلمًا أو إساءة من أحد، ولكن لم يكن يخطر ببالك أن تكون الطعنة ممن أملت أن يكون سندًا لك في نائبات الدهر لا أن يكون المسبب لجرح غائر.

هذا الطوفان الهائل في عينك لا ترى نفسك ناجيًا منه مهما جدفت نحو ساحل النجاة إلا بشق الأنفس، مخلفًا في فؤادك جرحًا غائرًا لا تقوى على النهوض والحراك به، وليس هناك حينها أصعب من التفكير في تجاوز هذه المعضلة التي كانت فيصلًا ما بين الماضي وما تستقبله من قادم الأيام، فقد أحالك إلى بقايا إنسان قد انتزعت روحه وقلبه فلم تعد تشعر بشيء أبدًا، فالصدمة أكبر من طلب أحدهم الثقة به مجددًا.

الخروج من أزمة الثقة القديمة المتجددة يسهل إن أعدنا القراءة بصياغة موضوعية، فلننظر لحالة الضيق النفسي واهتزاز علاقاتنا الاجتماعي جراء موقف سابق، فهل يستحق أن نلحق بأنفسنا ضررًا بالغًا؟
ونظرتنا لأنفسنا مجددًا تتلاقى مع رغبتنا برؤيتها في أحسن حالات العزة والكرامة والقوة، فبدونها لا نستطيع أن ننطلق في ميادين العمل ونسج أقوى العلاقات، وشعورنا بخيبة الأمل من الناس جميعًا لمجرد صدور خيانة وغدر وتخلٍ من أحدهم لا يعني أن الجميع بهذه النفسية والصفة.

فلنستعد الثقة بأنفسنا أولًا فتعرضنا لموقف مؤلم حجر عثرة لابد من تخطيه، وذلك باعتزازنا بأنفسنا وثقتنا بالقدرة على إقامة علاقات ناجحة، مع أناس خبرناهم من مواقفهم لا من عاطفة عمياء وتسرع.

الحزن والهم لن يغير من الواقع شيئًا فلنتخل عنه، فمن المؤكد أن حيويتنا وابتسامتنا تعد عاملًا في محبوبيتنا، وإن بقينا بلباس التجهم والزعل نزداد ألمًا على ألم لتجدد الذكرى واستحضار الماضي.

قدرتنا على تجاوز مشكلة انتهت ينبئ عن تفكير واعٍ بحقيقة الحياة ومجريات أحداثها، فانخداعنا بأحد لا يسيء لنا بقدر انكشاف قناعه الزائف وتخلصنا من أدعياء الوفاء وإخلاص المودة، وأكبر رد عليه وعلى المتربصين والمتشفين بآلام الآخرين هو ظهورنا بصورة غير متوقعة بعد هذه الأزمة، فمظهر القوة استعدناه سريعًا بعد دراسة وتأمل في أخطائنا، فاستفدنا منها دروسًا مستقبلية وانطلقنا في فضاء العلاقات الاجتماعية محملين بصفة الثقة والاطمئنان الواعي، والأمان الذي نتحلى به حينئذ لا ينبع من ثقة يقينية بعدم مصادفتنا لمن تخيب فيهم الآمال، ولكنه طرد للمخاوف من خلال النظرة المتأنية المدروسة لكل موقف أو قرار نقدم عليه، والإساءة لا تمثل إلا صاحبها ولا تلحق بنا أي ضرر، فلم نعد نثق بأحد ثقة عمياء توقعنا في مطبات وصدمات.