لنجعل من تعب الصيام ارتباطًا بالله وتحسسًا للمعوزين

ما أجمل أن نتوقف في لحظات العمر لنحاكم أنفسنا في سيرها وإنجازها وعملها لنتعرف من خلالها على نتائج عملها وما تصبو إليه من هدف ورؤية تصل إليه بالمثابرة والاستمرار حتى تعطي نتائج صحيحة وواضحة.
مر علينا شهر رجب واستحثنا على العبادة من صيام وقيام وتلاه شعبان وكانت النفوس أكثر طوعًا لتلمس رضا الله والقرب منه ويأتي شهر الرحمة والمغفرة وقد حصلت النفوس على مراتب أعلى من الارتباط بالله سبحانه والبحث عن سبل رضاه.
إن خطبة الرسول (ص) في آخر جمعة من شعبان تحمل مضامين عالية بأسلوب سهل وبسيط تستوعبه كل قلوب البشرية دون عناء تحليل أو تدقيق في ألفاظه أو الربط بين مراميه ولنستحث النفس ونتوقف مع بعض تلك التوصيات:
الأول: هو وصف هذا الشهر بكونه شهر "البركة والرحمة والمغفرة" وهي عناوين تختصر معنى النمو والسعادة والنعمة والعفو والستر على الخطايا سواء كانت برحمانيته العامة الشاملة كل الناس أو رحيميته الخاصة بالمؤمنين.
الثاني: ربط إحساس النفس بما تعانيه من الجوع والعطش حين الصيام بما يواجهه الإنسان يوم القيامة، ثم ربط أحاسيس نفسية واجتماعية من أهمية الصدقة على الفقراء والمساكين ونجده في تعابير مختلفة، أقلها؛ "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، ومن الجميل أن يتفقد مسؤولو الجمعيات الخيرية المتعففين والمحتاجين الذين لا يجدون طريقًا لإبراز حاجتهم.
الثالث: تشجيع النفس على القيم السامية وربطه بتربية أخلاقية عالية بتوقير الكبار وإعطائهم القيمة الاجتماعية المناسبة لهم وتعظيم وجودهم المبارك لاسيما ذي الشيبة كما نراه في روايات أخرى تربي الإنسان على تلك القيم "ورد في الكافي عن الإمام الصادق (ع): "من إجلال الله (عزّ وجّل) إجلال ذي الشيبة المسلم" ومن أجملها احترامهم وتوسيع المكان لهم وعدم التقدم عليهم أو الإشارة على كثرة نسيانهم وغيرها مما يعتبر نوعًا من عدم الاحترام أو تقليل شأنهم.
وبالطبع ينعكس هذا بطريق الأولوية على الوالدين من أهمية الاحترام والتقدير والمساندة العملية لهم.
الرابع: قيمة الرحمة على الصغار سواء كان بصور العطف التربوي أو إضفاء مزيد عطف لئلا يكونوا تحت حاجة العطف المعنوي الذي يؤدي إلى حالة من الاستعداد للانحراف؛ نتيجة تلك العواطف المفقودة وإن أغدقنا عليهم الإشباع المادي.
الخامس: صلة الرحم وهي محبتهم وموالاتهم وإيثارهم بالإحسان والصدقة والمودة والأفضل على الرحم الكاشح أي المبغض أو المعادي، كما جاء في الرواية: أيّ الصدقة أفضل؟ فقال: «على ذي الرحم الكاشح».
إن أصدق معنى لصلة الرحم هو التواصل معهم بالود والزيارة ومراعاة حاجاتهم والقيام بأمورهم بمقدار استطاعته وأدنى درجة ولو بالسلام، ويقابله القطيعة وهو خصام وعداء وحتى لو أراد أحدهم التواصل فإنه لا يقبل وأقرب معنى القطيعة هو الهجران والصد وترك البر أو الإحسان لهم وأخف مستويات القطيعة هو ترك التواصل معهم، ويوقع بينهما الجفوة وهي حالة البعد والنفور من لقائهم، وحالة السهو والغفلة وهي حالة الانشغال بأمور الدنيا ولا يجد دافعًا نفسيًا أو قيميًا للتواصل معهم.
فلنجعل من الشهر المبارك شهر بركة تربوية على أنفسنا وذواتنا ومجتمعنا نصونه بالقيم الأخلاقية المتينة.



