اللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ

لقد حثّ الشارع المقدس على رعاية حقوق الجار ووجوب كفّ الأذى عنه، فعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، وقال (ص): «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاث حقوق : حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة، ومنهم له حقان: حق الإسلام، وحق الجوار، ومنهم من له واحد: «الكافر له حق الجوار»، وقال (ص): «أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمناً».
وجاء في رسالة الحقوق لمولانا زين العابدين (ع): «وحقّ جارك فحفظه غائباً، وإكرامه شاهداً، ونصرته إذا كان مظلوماً، ولا تتبع له عورة، فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه، وإن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شدائده، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا تدّخر حلمك عنه إذا جهل عليك...».
وتميز أهل البيت (ع) أيضاً بتجسيدهم هذا المفهوم من عالم المعنى إلى عالم الحس والواقع.
فلقد ترجموا أقوالهم إلى سلوك سويّ ، أصبح قدوة حسنة لمن أراد الاقتداء به، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الاِمام السجاد عليه السلام، حريصاً على أداء حقوق الآخرين، وان كانوا من أعدائه.
جاء في رواية الواقدي: إنّ هشام بن اسماعيل المخزومي كان والياً على المدينة لعبد الملك بن مروان، وقد أساء جِوار الاِمام ولحقه منه أذى على حد تعبير الراوي، فلما مات عبد الملك، عزله الوليد بن عبدالملك، وأوقفه للناس؛ لكي يقتصوا منه، فقال: "والله إني لا أخاف إلاّ علي بن الحسين، فمر عليه الاِمام ، وسلم عليه، وأمر خاصته أن لا يتعرض له أحد بسوء، وأرسل له: «إن كان أعجزك مال تؤخذ به، فعندنا ما يسعك، ويسد حاجتك، فطب نفساً منّا، ومن كل من يطيعنا»، فقال له هشام بن إسماعيل: "الله أعلم حيثُ يجعل رسالته".
ونحن أتباع هذا الدين لا شك أن الرسول (ص) وأهل بيته (ع) هم قدوتنا قولاً وفعلاً وتطبيقًا، ويترجم عشقنا لهم هو السير على نهجهم والاقتداء بهم، ولذلك نلحظ ظاهرة جميلة في هذا الشهر الشريف وهي أن أغلب المجالس تكون أفرادها مجتمعة على مائدة القرآن الكريم ويجتمع الجيران والأحباب ليتأملوا ويتفكروا فيه، ونلحظ كذلك المراعاة لحق الجوار في مجتمعنا.
إذ لا يرتفع صوت مكبر الصوت في الخارج، ليؤذي بذلك جاره لأن هذا الأمر فيه إزعاج وإيذاء للمرضى والأطفال والنيام، ومن لديهم أعمال أو استذكار، وعلى هذا فيكون رفع الصوت بالقراءة من خلال الإذاعة الخارجية سبباً في إزعاجهم وإيذائهم، واعتداء على حقوقهم، والشريعة سمحة أتت لإسعاد الناس وليس لشقائهم وإذا بالكثير من المؤمنين تراهم مراعين لحق الجوار.
أيها الأحبة تمعّنوا في هذا الدّعاء من أدعية الصحيفة السجادية، لمولانا الاِمام السجاد عليه السلام وهو يدعو لجيرانه بكلمات بلغت الغاية في الرّقة، ويحمل أجمل المشاعر: «اللّهُمَّ تولَّني في جيراني باقامة سُنَّتكَ، والاَخذ بمحاسن أدَبك في إرفاقِ ضعيفهم، وسدْ خلّتهم، وتَعهُّد قادمهم، وعيادة مريضهم، وهداية مسترشدهم، وكتمان أسرارهم، وستر عوراتهم، ونصرة مظلومهم، وحُسن مواساتهم بالماعون، والعود عليهم بالجدَةِ والاِفضال، وإعطاء ما يجبُ لهم قبل السؤالِ والجود بالنَّوال يا أرحم الراحمين».
وبعد أن عرفنا هذه الحقوق للجيران سنتذوق وصية الإمام علي لأولاده بعدما ضربه اللعين ابن ملجم فقال (ع): «الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم».
اللهم تب علينا حتى لا نعصيك وألهمنا الخير والعمل به وخشيتك بالليل والنهار ما أبقيتنا يا رب العالمين.



